الفصل 108: الجمجمة
يا لها من قدرة تحكم هجومية ملتوية! حتى "لي تسي تشنج " لو كان هنا ، لما وسعه سوى التنهد إعجاباً.
ليس الأمر أن "تيه فينغ " لم يكن خصماً مهولاً ، بل لأن "نظام إتقان المهارات " جعل "لو رين " يكتسب قوة مذهلة تتنامى في كل جانب مع كل تطوير يجريه على تقنيات قبضته. ولعل طبيعة أسلوبه القتالي هي التي منحت رشاقة بدنية عالية ، ولكن بفضل هذا المستوى من الفهم العميق لـ "قبضة صقر العنقاء " حتى مؤسس هذا الفن القتالي نفسه ما كان ليجرؤ على ادعاء معرفةٍ تفوق معرفة "لو رين " في هذا المقام.
في خضم قتالٍ يتقلب في لمح البصر ، فإن إنجاز مآثر كهذه يجعل كبرى عائلات الفنون القتالية تنظر إلى "لو رين " بذهول ، وكأنه كائن خارق أو إلهي!
لقد قُضي على "تيه فينغ " تماماً!
بضربة قبضته الأخيرة ، حطم "لو رين " قلب خصمه من خلال طبقة من العضلات ؛ وحتى مع امتلاك الخصم لطاقة حياة شديدة المرونة ، فإنه لا يوجد مقاتل -بلغ ذروة القوة الجسديه الآدمية- يمكنه النجاة من هجوم كهذا.
لقد سمحت له طاقة حياته الهائلة بأن يتخبط على الأرض طويلاً قبل أن تلفظ أنفاسه الأخيرة.
كان هذا المشهد من القسوة بحيث لم يطق "لو رين " حتى النظر إليه.
"دينغ ، لأنك قتلت عدواً مهولاً ، فقد نلت استبصاراً في تقنية (قبضة صقر العنقاء) ، مستوى المهارة +1,000. "
"دينغ ، بفضل سنوات من ممارسة التنفس ، اكتسبت فهماً طفيفاً لتقنيات التنفس. "
"دينغ ، لأنك... "
بصراحة كانت المعركة ضد "تيه فينغ " هي الأكثر منحاً للخبرة حتى الآن ، لدرجة أن صوت الإشعارات في عقله ظل يطن لنصف دقيقة دون انقطاع.
أطلق "لو رين " زفرة طويلة ، وجلس بوهن ، مسنداً ظهره إلى عمود المصباح الحجري المحطم ، يلهث لدقيقة كاملة. وبعد أن استعاد أنفاسه قليلاً ، وقف ببطء ، موجهاً تركيزه نحو ما يُسمى "عالم بوذا ذي الضياء الكنزي ".
كانت هذه أصعب معاركه على الإطلاق ؛ ولو خضع جسده للأشعة لظهرت كسور دقيقة في عظام ذراعيه وأصابعه نتيجة التحامِهِ مع "تيه فينغ ". لم يكن ليصمد أمام لكمات خصمه ، فحتى رياح تلك اللكمات كانت تشعره وكأن جلده يحترق.
كانت قوة خصمه مذهلة حقاً ، تتسم بالسرعة والرشاقة ؛ وفيما يخص القوة وسرعة البديهة ، فقد كان الخصم بلا شك في مستوى كبار المقاتلين. ومن الصعب تخيل أن جسداً بطول مترين تقريباً يمكن أن يتمتع برشاقة الفهد.
بعد خمس دقائق ، أخرج "لو رين " حبة مغذية عالية التركيز من جرابه وابتلعها ، مسيطراً على معدته لتحفيز إفراز العصارة الهاضمة ، وتفكيك الحبة لاستعادة قوته الجسديه.
تحرك ببطء متجهاً نحو المعبد الذي أمامه.
لم يلحظ الأمر حين وصوله ، ولكن بعد انقشاع غبار المعركة ، بدأت السكينة الموحشة تفرض هيمنتها. وخصوصاً في ظل الضياء الخافت لهذا العالم الصغير الذي يضفي صبغة رمادية كئيبة على كل شيء.
في تلك اللحظة ، بدت يداه وكأنهما يدا ميتٍ منذ أمد طويل ، تفتقران إلى أي لون حيوي.
كان هذا العالم يشبه أفلام الرعب أو ألعاب الفيديو ذات الألوان الباهتة والمقصودة ، مما يبعث شعوراً باليأس والقفر ، ويغرق المرء في وهمٍ من نهايات العالم.
كيف السبيل للخروج ؟
هذا هو السؤال الذي يشغل بال "لو رين " الآن ، وهو يحدق في اللوحة المعلقة أمامه ؛ فقد محت السنون معالم الكتابة عليها ، لدرجة أنه لم يعد يُعرف أي قاعة بوذية هي هذه. ويبدو أن إشعار النظام السابق كان يشير إلى مخرج ما.
أسرار قديمة غامضة...
تأمل الأمر قليلاً وحرك ذراعيه ، فبسبب تأثير "الاستشفاء " الخاص بتقنية "قبضة صقر العنقاء " سرى فيهما خدرٌ موخز. فحينما يبلغ تدريب هذه التقنية مستويات عميقة ، تتجلى قدرات مذهلة ؛ إذ يتم تحفيز القوى الكامنة في الجسد لإصلاح نفسه بسرعة ، غير أن هذا التعافي غالباً ما يستهلك طاقة هائلة.
ولحسن حظه ، فإنه يمتلك تجربة سابقة في دخول ثغرات المكان ، لذا فهو يحمل دائماً كمية من الحبوب الغذائية المركزة. و هذه الحبوب التي بحجم الإبهام ، بتركيزها وضغطها العالي ، تتمتع بصلابة بالغة تشبه كرات الحديد التي كانت يصنعها سادة الكمياء قديماً من الرصاص والحديد ، مما يجعلها سهلة الحفظ.
وفي كثير من الأحيان ، يسيء عامة الناس فهم هذه الإكسيريات فيظنونها سماً ؛ لأن معدة الشخص العادي لا تقوى على هضم مغذياتها المركزة ، فيخرج ما دخل كما هو ، وأحياناً يعلق في الحلق ، مما يجعلها تبدو كالسم.
بعد التأكد من عدم وجود أي خطر محيط ، سار "لو رين " ببطء نحو المعبد المهجور. وعند المدخل كانت هناك لوحات منصوبة على الجانبين ، كُتبت بخط "الختم " المحفور بالسكين. ورغم تلاشي الحبر تماماً إلا أن الآثار الغائرة على اللوح الخشبي كانت لا تزال بادية.
"يوم بوذا معلقٌ في العالم المضيء ،
عجلة القانون العظمى تدور لنفع الكون. "
رفع "لو رين " حاجبيه ؛ فهذا البيت الشعري من طائفة "زن " البوذية مشهورٌ جداً ، ويعني أن بالداخل يكمن التجسد الروحي لـ "بوذا الشمس العظيم ". يبدو أن لهذا العالم الصغير صلات وثيقة بالطائفة البوذية ، مما جعله يدرك أن الثغرة المكانية التي ظهرت ربما حدثت في عصر بعيد جداً ، بل ربما استخدمها أتباع الطائفتين البوذية والداو معاً.
في العصور القديمة كان المعبد البوذي الذي يمتلك مؤهلات تقديس التجسد الروحي لـ "بوذا الشمس العظيم " يتمتع بمكانة رفيعة جداً حتى داخل طائفة "زن ".
خطا ببطء داخل القاعة ، حيث تناثرت أجزاء تمثال بوذا المحطم في كل مكان ، وانطرحت تماثيل الأرهات المئة والثمانية في فوضى عارمة. حتى الهواء في القاعة كان يضج بإحساس من اليأس.......
بينما كان "لو رين " يغوص في أعماق المعبد كان "تيه فينغ " الذي سُلبت روحه ، ملقىً على الأرض وجهاً للسماء ، وعيناه جاحظتان في غضب.
وفجأة ، بدأت بقع من سائل أسود هلامي تنبثق من الأرض ، تتلوى لتغلف جثة "تيه فينغ ".
كأنها سيتوبلازم هلامي يضطرب باستمرار على جسد "تيه فينغ " يتدفق كالأمواج ، يتصاعد ويهبط. والأصابع التي كانت ينبغي أن تظل ساكنة بدأت تنتفض بشكل تشنجي ، كما لو أن أعصاباً ما يتم التلاعب بها.
وبدأت تلك العينان الجاحظتان في التحرك مع تسرب السائل الأسود إليهما.......
بعد أن طاف "لو رين " في أرجاء القاعة ، ورغم أن المعبد المتهالك كان يبدو موحشاً إلا أن الغبار المتراكم أشار إلى أنه لم تطأه قدم منذ مئات السنين على الأقل.
أما نسيج السوترا المعلق فقد بلي حتى صار أشبه بالفتات ، يتهالك عند أدنى لمسة ، وتماثيل الأرهات النحاسية غطاها رماد قاتم. وتمثال بوذا الذهبي المحطم الذي صُنع فعلياً من الذهب الأحمر كان ملقىً على قاعدته ، وقد فقد تماماً رونقه الجليل.
تباً ، ألا يمكن شق طريق للخروج ؟!
بحرارة في قلبه ، طاف "لو رين " حول التجسد الذهبي الذي يزن ألف رطل على الأقل ، منتظراً فرصة لسحبه للخارج. هؤلاء الرهبان كانوا أثرياء حقاً!
وما أدهش "لو رين " هو أنه خلف الستارة الممزقة لتمثال بوذا كان هناك هيكل عظمي ذهبي يجلس في وضعية "كاشيابا ". كان الهيكل ضخماً ، بطول مترين تقريباً ، وعظامه تلمع ببريق معدني وتبدو شديدة الصلابة.
أما ثوبه فقد أكل عليه الدهر وشرب ، ولم يتبق منه سوى خيوط معلقة.
كان هذا الهيكل الذهبي يطأطئ رأسه ، جالساً في وقار. ورغم أنه هيكل عظمي إلا أن الهالة التي بثها كانت تناقض تماماً أجواء المعبد القفر. هالة من السلام والجلال ، تحمل في طياتها جوهر "زن " الفياض وتأملات بوذية عميقة.
وكأن هذا الهيكل العظمي هو آخر مصدر للحياة في هذا العالم المتحطم.