بعد البرد الذي يجمد العظام ، سرى في الأوصال بردٌ منعش ، أشبه بلفحةٍ باردة في صيفٍ قائظ.
تحت هذا التأثير ، انتفض جسد "سو يي " بأسره ، من أطرافه إلى عضلاته وخلاياه ، ليتمدد ويستوعب تلك البرودة القارسة.
"يبدو أن في هذا نفعاً! "
شعر "سو يي " بأن هذا الأثير الجليدي غامضٌ في كنهه ؛ فعلى الرغم من برودته التي تخترق العظام ، وما أبداه جسده من مقاومةٍ عند تغلغلها فيه إلا أنها حملت معها فوائد جمة لأطرافه وعضلاته وعظامه ، وشرعت تصقل بنيانه المادى.
وعندما أدرك "التنين الذهبي ذو المخالب الخمس " هذه الفوائد ، أقرّ بأنها مجرد اختبارٍ يحمل في طياته خيراً كثيراً. لذا وضمن الحدود التي يسيطر عليها "سو يي " ترك لنفسه العنان ليواجه هجوم خناجر الجليد المتراصة.
إن خناجر الجليد هذه ، وذلك الأثير البارد ، لا يجرؤ حتى "مزارع " في "مستوى فراغ اليوان " على مواجهتهما بهذا النحو ، ناهيك عن "سو يي " الذي ما زال في "مستوى حقيقة اليوان ".
تلك الخناجر الجليدية كانت قادرة بسهولة على تمزيق جسد "مزارع " في "مستوى فراغ اليوان " إلى أشلاء. و كما أن الأثير الجليدي الكامن فيها كفيلٌ بتجميد الدماء وتصلب الطاقة العنصرية داخل جسده ، محولاً أعضاءه وعظامه وعضلاته إلى فتات.
لكن جسد "سو يي " كان قد بلغ حالة مذهلة من التحول.
تحت وطأة جسده القوي الذي صُقل بمرانٍ شديد ، تحملت لحومه تلك الشفرات الجليدية المرعبة ، وجنت منها المنافع.
شعر "سو يي " أن الوقت يمر بسرعةٍ تارة وببطءٍ شديد تارة أخرى ، وهو يخطو خطوةً تلو الأخرى نحو المدخل الكائن في قلب النهر الجليدي حتى تلاشت العاصفة الجليدية المروعة والشفرات الباردة تدريجياً.
لم يتردد "سو يي " لحظة ؛ فقد كان هذا اختباراً يتحتم عليه اجتيازه.
"هوش… "
بمجرد أن عبر "سو يي " المدخل المتلألئ ، لفحته حرارة شديدة على الفور. و لقد كان عالماً يجمع بين الجليد والنار ؛ بردٌ قارس في جانب ، وحرارةٌ لافحة في الجانب الآخر.
تلاشت كل برودةٍ كانت تلاحقه من الخلف ، وبدا أمامه بحرٌ واسعٌ من اللهب.
كانت الحرارة الضارية تحرق كل شيء في ذلك الفراغ ، فلا تبقي ولا تذر.
اندفعت ألسنة اللهب الهادرة كأمواجٍ عاتية ، لتلتهم "سو يي " فوراً وتغمره في جوفها.
إن درجة الحرارة المرعبة هذه كانت كفيلة بتحويل "مزارع " في المستوى الأول من "فراغ اليوان " إلى رماد ، فقد كانت الحرارة الساطية أشدّ من أن تصدّها أي طاقةٍ عنصرية.
"أهو عالمٌ من الجليد والنار ؟ "
رغم أن نيراناً مرعبة أحاطت به ، ظل "سو يي " دون تأثرٍ يذكر. فلم يكن ذلك لأن النيران والحرارة العالية أضعف من الهواء الجليدي ؛ بل على العكس كانت تلك النيران المتوقدة أكثر ترويعاً من البرد ، لما تحمله من طاقةٍ أكثر عنفاً ودماراً.
ورغم الحرارة المرتفعة كان "سو يي " معتاداً عليها ؛ فأسلوب "زراعة الجسد الفولاذي غير القابل للتدمير " يرتبط بالنار ارتباطاً وثيقاً.
ابتلعته النيران اللافحة ، مما جعل "سو يي " -رغم مستواه الحالي في الزراعة- يشعر بجلدٍ يحترق وشعرٍ ينتصب من شدة الحر.
سعت النيران الهادرة ، بضراوتها وقدرتها على إحالة كل شيء إلى رماد ، إلى حرق جلد "سو يي " حتى يتلاشى.
غير أن النتيجة جاءت على غير ما يُرام ؛ فاللهب الذي يقدر على صهر كل شيء لم يترك على جلد "سو يي " سوى شقوقٍ دقيقة.
ومن خلال تلك الشقوق في جسده كان بريقٌ أحمر متلألئ يلمع ، ليحول دون تهتك الجسد وتمزقه.
"آه… "
غُطي جسده بالكامل بشقوقٍ دقيقة ، جعلت "سو يي " يجزُّ على أسنانه ويطلق أنيناً مكتوماً ، متصبباً عرقاً غزيراً.
بدت الحرارة اللافحة داخل جسده وكأنها تحرق أعضاءه الداخلية ، وعظامه ، وعضلاته ، وكل ذرةٍ في كيانه ، ساعيةً إلى تدمير كل شيء.
لكن "سو يي " نجح في الصمود ، محتفظاً بتوازنه ضمن حدوده القصوى.
كان هذا الوهج الحارق أكثر ضراوةً وتدميراً من الأثير الجليدي ، لكن "سو يي " شعر بطمأنينةٍ أكبر قليلاً مقارنةً بتجربته مع البرد.
تحت وطأة الحرارة المدمرة ، عاد "سو يي " ليلمس بعض المنافع مجدداً.
فبعد التدمير ، حمل الأثير الحارق قوةً متجددة تغلغلت في كل جزءٍ من جسد "سو يي " بما في ذلك أطرافه وعظامه وعضلاته وأعضاؤه الداخلية.
وبعد الفناء جاء البعث ، إذ انبثقت قوةٌ منعشة طال انتظارها من وسط الاندفاع الأخير للوهج الحارق ، لتنتشر في جسد "سو يي " بأسره ، وتغذي كل شيء ، بما في ذلك روحه…
كشفت النيران المتلاطمة عن بصيصٍ من الضوء أماماً ، بدا وكأنه المخرج.
إلا أن "سو يي " لم يسارع بالتقدم ؛ فمع الفوائد التي شعر بها بعد ذلك الحر اللافح ، ارتسمت ابتسامة دهشةٍ على وجهه المطبق.
"لو أنني صقلتُ الجسد الفولاذي غير القابل للتدمير بمثل هذا النوع من اللهب ، فسيؤدي ذلك بلا شك إلى منافع غير متوقعة! "
همس "سو يي " لنفسه ، فمع أن نار الأرض التي استخدمها في "زراعة الجسد الفولاذي " كانت مرعبة إلا أنها لم تكن تضاهي هذا اللهب في شيء.
علاوةً على ذلك يحتوي هذا اللهب على فوائد عظيمة. تأمل "سو يي " في الأمر ، فلو استطاع صقل جسده به ، سيرتقي بـ "الجسد الفولاذي غير القابل للتدمير " إلى مستوىً أسمى.
وعلى الفور اتخذ "سو يي " وضعية الجلوس (متربعاً) على الأرض ، وفعّل "تقنية اليوان الفوضوي العليا " وبدأ في صقل جسده مباشرةً.
"هوش… "
بمجرد أن شكل "سو يي " أختام يده ، التهمت النيران الهادرة المحيطة به ، واندفعت أمواجٌ من لهبٍ مدمرٍ داخل جسده.
"آه… "
في هذه اللحظة ، غطت الشقوق جسد "سو يي " بكثافة ، وبدا جلده كأرضٍ قاحلة في عام قحط ، وكأنه على وشك التفتت في أي لحظة.
لكن عند النظر بتمعن ، يكتشف المرء أنه تحت هذه الشقوق المتراصة كان هناك وهجٌ أحمر متوهج ، متصدعٌ ولكن غير محطم.
تلا ذلك الوهج الساخن منافع لا تُصدق.
لم تكتفِ هذه المنافع بتغذية الجسد والروح تماماً ، بل كان لها أثرٌ أفضل في هذه البيئة المزدوجة بين الجليد والنار ؛ حتى إنها جعلت "تشي " (الطاقة) الخاص بـ "سو يي " أكثر وفرةً.
تدفقت خيوطٌ من الطاقة باستمرار إلى "بحر إله الفراغ " لدى "سو يي ".
تحت صقل هذا الأثير الحارق ، أصبحت الطاقة نقيةً للغاية ، مما تسبب في تصاعد هالة "سو يي " باستمرار.
في هذه اللحظة لم يكن "سو يي " يدرك أن في جزءٍ ما من هذا الفضاء الغامض ، وفي أعين التنين الذهبي ذات المخالب الخمس التي لا يدركها الزمن ، ارتسمت تعابير معقدة من الصدمة ، وهو يهمس لنفسه "يا له من تحدٍ! لقد مرّ كثيرون ، لكنه الأول الذي يرفض الرحيل. و هذا الفتى البشري ، تبدو هالته مألوفةً للغاية… "
"هوش… "
محاطاً بنيرانٍ هائجة ، غمرت "سو يي " ألسنة لهبٍ شاهقة ؛ ومن بعيد ، بدا كأنه كرةٌ ضخمة من النار ظهرت وسط بحرٍ لجيٍّ من اللهب.
وللحق لم يكن "سو يي " هو من التفّت حوله النيران فحسب ، بل إن هذه النيران كانت تُسحب بالكامل بواسطة "سو يي " ذاته ، لإعادة صياغة جسده الفولاذي.
تسرّب ضوءٌ أحمر غريب من جسد "سو يي " ليغطيه بوهجٍ أحمر وأخضر زاهٍ ، فاض الوهج من مسامه ، متلألئاً ببريقٍ خاطف.
والآن ، بدت كل تلك الشقوق الصغيرة على جسد "سو يي " وكأنها تلاشت دون أثر ، مخلفةً وراءها طبقاتٍ من الجلد تتقشر كجلدٍ ميت ، لتكشف عن جسدٍ مشرق لم يعد بمقدور النيران المدمرة إلحاق الضرر به.