الفصل 480: كيف تُربك الإجابة بأسلوبٍ بليغٍ وقاسٍ في آنٍ واحد
«لم أكن أتخيل يوماً أنكِ ستأتين».
بينما كان البعض يستميت للفرار من هذا المكان لم يتوقع «لينش» حضور «سيفيريلا» إلى هنا. فالعلاقة بينهما لم تتجاوز حدود المعارف العاديين ، ولم تشبها يوماً تلك التعقيدات العاطفية المعتادة.
أحياناً يكون الوسامة المفرطة عبئاً ؛ فـ«لينش» غالباً ما يثير اهتماماً لا يرغب به. وعندما غادر «لينش» و«سيفيريلا» المبنى الرئيسي ، لاحظ نظرات «بيني» التي خيم عليها شيء من الاستياء.
كانت «بيني» تدرك هوية «سيفيريلا» وخلفيتها جيداً ، وتعرف أنه لولا حماية «لينش» المطلقة لها ، لاستطاعت «سيفيريلا» تدمير مستقبلها باتصال هاتفي واحد ، بل ربما دون الحاجة لذلك فمجرد إظهار الامتعاض علناً يكفي. حينها ، ستجد «بيني» نفسها منبوذة خارج أروقة صناعة الترفيه التي يعتمد القائمون عليها على حظوة أثرياءٍ يأتمر معظمهم بأمر السيد «وادريك».
ورغم أن «بيني» كانت قد حسمت أمرها لم تجد بداً من الوقوف خلف الستائر المنسدلة برفق ، تراقب «لينش» و«سيفيريلا» وهما يتنزهان في حديقة المقر تحت ضوء القمر كعاشقين.
لم يكن في حسبان «لينش» ولا «بيني» أن تأتي «سيفيريلا».
بينما كانت «سيفيريلا» تتجول بلا هدف برفقة «لينش» ، ركلت زهرة صغيرة نبتت في العشب. فالعشب الطبيعي لا يضم زهوراً برية عادةً ، لكن هذا البساط الأخضر صُمم خصيصاً لمقر الحاكم وغيره من الحدائق الفارهة.
توفر إحدى الشركات المحلية مسطحات عشبية تحاكي البيئة الطبيعية ؛ حيث يمتزج العشب الأخضر الوثير بزهور صغيرة وردية أو صفراء أو بيضاء بحجم إبهام الرجل ، لتضفي لمسة من الطبيعة على العشب المنسق.
رُكلت برعمة الزهرة التي لم تتفتح بعد لتبتعد عن مكانها ؛ ولو كان بوسعها النطق لربما لعنت «سيفيريلا» وعائلتها ، لكنها لا تملك ذلك.
سارت الفتاة واضعة يديها خلف ظهرها ، بخطوات خفيفة وابتسامة تكاد تفضح مكنون صدرها: «لم أتوقع هذا. و عندما رأيتك مع...» ، أمالت رأسها نحو «لينش» الذي نطق اسم «بيني» بهدوء.
لم يكن مهماً إن نطق به أم لا ؛ فنفوذ «سيفيريلا» يتيح لها معرفة أدق تفاصيل عائلة «بيني» باتصالٍ واحد.
«أجل ، بيني. حين طالعت الشائعات حولكما في الصحف ، شعرت بألم». لمعت عيناها برقة تحت ضوء القمر: «أظن أنني ربما وقعت في حبك».
توقفت خجلةً تلمس وجنتها: «هل تبدو حمرتي واضحة لهذه الدرجة ؟».
كان ضوء القمر نقياً كاليشم ، لا يضاهيه في حدته ضوء النهار ، مما زاد وجهها الخالي من العيوب جمالاً.
تجمعت فيها الرقة والغموض والحيوية ، وتلك الحمرة الفاتنة. أومأ «لينش» بصدق.
«هذا أول اعترافٍ بالحب أقوم به. والدي لم يمنحني هذه الفرصة من قبل. الأمر جديد ، وربما يبدو محرجاً بعض الشيء. هل هو أمرٌ مخجل ؟».
فجأة تملّكها التردد: «هرعت إلى هنا لأعترف لك ، بلا فرقة موسيقية أو عازف كمان ، لا جوقة منشدين تحمل الشموع ، ولا أصدقاء يباركون لنا. و هذا المكان ليس رومانسياً.. والأجواء غير ملائمة ، واليوم هو يوم ميلادك».
ربما هكذا يبدو اعتراف الأثرياء بالحب ، هكذا ظنت «سيفيريلا» بناءً على ما أخبرها به أصدقاؤها ؛ أولئك الذين يخلقون مشاهد باذخة تخنق الأنفاس ببذل الأموال حتى إن «لينش» لاحظ أنها استبدلت كلمة «عازف كمان» بـ«سيد الكمان» ، دلالة على مكانة أرقى وتكلفة باهظة للتعاقد معه.
ابتسم «لينش» ولم يجب ، بل سأل: «لماذا تحبينني ؟».
لم يعتقد أن السبب هو وسامته ؛ فالفتيات من طبقتها قد يعجبن بالمظهر ، لكن ذلك وحده لا يجعلهن يقعن في الحب حقاً. تساءل «لينش» إن كان هناك من يستطيع رؤية ما خلف مظهره الجذاب ليلمس جوهره الأرقى.
احمرّت وجنتا «سيفيريلا» أكثر ، لكنها لم تجب وفضّلت تغيير الموضوع.
لن تنسى أبداً ذلك العصر ، والغبار يرقص في ضوء الشمس ، حين كان والدها الوقور ، السيد «وادريك» ، يستمع لـ«لينش» باهتمام بالغ. حيث كان «لينش» يميل بجسده للأمام ، بكامل تركيزه ، يتحدث بثقة وحضورٍ لا يمكن إنكاره.
كانت أكثر خجلاً من أن تعترف بذلك فآثرت الصمت.
سارا بعيداً حتى أعاق سياج نباتي شاهق طريقهما. وخلفه كانت حدود حديقة الحاكم ، وعالم آخر تماماً.
بدت «سيفيريلا» مترددة ، ثم سألت بخفوت: «هل ستقبل اعترافي ؟».
هز «لينش» رأسه: «لا أعلم. لم أفكر في الأمر. ما زلنا شابين أمامنا الكثير لنفعله ، ولسنا مهيأين لهذا بعد».
«هل تتخيلين أن تكتسي ببطنٍ منتفخ وجسدٍ يفقده تناسقه ، وتقضين يومكِ بين غثيان الصباح وحشو الطعام في جوفك ؟ ثم يصبح الطفل مصدراً آخر للصداع. قد تظنين أن مربية ستساعدك ، لكن حنان الأم لا يعوض ، وفي نهاية المطاف ستكونين أنتِ من يهتم بالطفل. ستنهكك أعباء المنزل...».
توقف «لينش»: «في ذلك الوقت ، سنظل صغاراً. الزواج المبكر ليس إنصافاً لأمثالنا ، وليس بالأمر المحمود. فالحياة لن تجلب سوى الضجر. أطفال يبكون لأتفه الأسباب ، وعدم فهم للزوج ، بل وعدم فهم للذات...».
«امنحينا بعض الوقت. لنبدأ كصديقين مقربين أولاً».
بدت «سيفيريلا» مخذولة بعض الشيء ؛ فهذا لم يكن ما تخيلته ، لكنها سرعان ما استعادت توازنها وسألت: «هل الشائعات حولك و...».
«بيني ؟». أومأ «لينش» دون تردد أو خجل: «سيفيريلا ، ينبغي عليكِ أن تعرفيني ، أو تعرفي نفسكِ ، أو السيد وادريك».
«نحن لا نسعى وراء الشهوات البسيطة ، بل خلف ما هو أسمى من الماديات. الأمور العادية قد تجذب انتباهي أحياناً ، لكنها لن تعطلني بمثل تلك الصوارف الابتذالية».
«وبلغة الشعر ، أنا أنشد رفيق الروح ، وملاذاً للنفس» توقف قليلاً ، كأنما يستحضر شخصاً ما في مخيلته ، «...بيني التي تزعجك الآن ، تشبه (حكةً في الجسد) ؛ حين تشعرين بالحكة ، يكون حكها مريحاً ، لكن إن حككتِ الجلد دون سبب ، لن تجني إلا الألم والضيق».
«قد تستهويني المناظر العابرة ، لكنني أعود دائماً إلى بيتي». كانا قد اقتربا من منزل الحاكم. ابتسم «لينش»: «لن أعاملك كأي فتاة عادية ؛ فهذا لا ينصفك. أنتِ مختلفة».
كان «لينش» بلا شك يتلاعب بالكلمات ببراعة ؛ هبة فطرية تجعل من الكلام العادي بريقاً أخاذاً.
تغيرت تعابير «سيفيريلا» ، ولمعت عيناها بومضة جديدة. و وجدت في كلماته جمالاً كالشعر الحديث ، مفعماً بالبهاء. وتساءلت في قرارة نفسها إن كان بإمكانها أن تكون ذلك الملاذ لـ«لينش».
توقف «لينش» ، ونظر إليها ، ومد يده ببطء. انزلقت كفه بين شعرها وعنقها ، تغطي وجنتها المتوردة ، ورسم ابتسامة صافية على وجهه.
«لكنني ممتن ؛ ممتن لأنكِ تحبينني. إنها أفضل هدية تلقيتها هذا العام».
اقترب منها وقبل جبينها بلطف.
بعد لحظات ، تراجع خطوة ، وسار بجانبها نحو المنزل: «ستضطرب الأمور هنا قريباً. ستقع أحداث خطيرة. و آمل أن تعودي من حيث أتيتِ».
«ما الذي يحدث ؟». تحول اهتمام الفتاة لتتبع كلمات «لينش».
كانت تعابير «لينش» هادئة ، مع لمحة من الثقة الجامحة تعلو حاجبيه. و نظر إلى القمر بابتسامة غامضة وقال: «صحوة تجاه المستقبل ؛ صحوة خطيرة. أنتِ تدركين أن هناك صراعاً لا سبيل لحله بين عامة الناس وأمثالنا...».
أومأت «سيفيريلا». ورغم عدم اهتمامها بمثل هذه الشؤون إلا أن نشأتها في تلك الأسرة تحت توجيه السيد «وادريك» علمتها قراءة الصحف يومياً وتحليل ما خلف العناوين.
فهمت كل ما قاله «لينش» ؛ فكل شيء يؤول في النهاية إلى صراع على السلطة والمال.
لكن من الواضح أن تركيزهما لم يكن على الأمر ذاته: «هل أنت قلق عليّ ؟».
فكر «لينش» للحظة ، ثم تقبل الفكرة: «أجل ، أنا قلق عليكِ».
«لذا أتمنى ألا يقترب الخطر منكِ!».