الفصل 462: طرح تساؤل
مَن لم يُعَانِ من البواسير لن يُدرك أبداً ألم التبرز ؛ تماماً كما لا يدرك أحدٌ حجم القلق الذي يسببه الاضطراب في "أميليا " أكثر من الإمبراطور "جيفرا ".
بعد نوبة غضبه الأولى ، استعاد الإمبراطور هدوءه ، وجلس في مكتبه الفسيح يتأمل مقترح وزير الدفاع ، ولم يعد يقاومه بالحدة ذاتها.
كان بمقدوره أن يتحمل هزيمة أسطوله الذي لا يُقهر أمام الاتحاد في معركة بحرية ؛ فقد كانوا مجرد أشرار تافهين استخدموا استراتيجيه دنيئة لسرقة النصر. حيث كان بوسعه أن يضحك قليلاً ، واثقاً من أنه بمجرد إتمام غواصات "جيفرا " وتقنيات مكافحة الغواصات ، ستظل البحار حكراً على "جيفرا ".
لكن الاستقرار في "أميليا " لم يكن أمراً يمكن تجاهله ؛ فتلك المنطقة هي المفتاح لكسر حالة الجمود. فبعد عشر أو اثنتي عشرة سنة من الآن ، ستغرق حرب جديدة العالم مرة أخرى ، ولن يدعم أسطول "جيفرا " الذي لا يُقهر وطموحاته العالية سوى "أميليا " مستقرة.
مع ذلك لم يكن بوسعه الموافقة بسهولة ؛ فلو بدا قبوله سريعاً ، لظنوا أنه لا يملك هو و "جيفرا " بدائل أخرى ، وسوف يستغل أوغاد الاتحاد ذلك لفرض المزيد من المطالب. حيث كان عليه أن ينسق مع وزرائه في مسرحية متقنة ؛ يدعهم يقنعونه تدريجياً ، ويظهر التردد والممانعة ، ويبدو دائماً مستعداً لتغيير رأيه. حينها فقط سيدرك الاتحاد أنه ليس هو من يتوسل المساعدة ، بل إن وزراءه هم من اقتنعوا بصدق نواياهم.
ورغم قلقه واضطرابه الداخلي كان يعلم أن الوقت ليس مناسباً لإظهار ذلك.
بينما كان الإمبراطور يفكر في كيفية استغلال الاتحاد لحل قضية "أميليا " كان السيد "هيربس " يستقبل أصدقاءه في "ناجاريل ".
كان للمصرفيين الدوليين معارف كثر ، جلّهم من المصرفيين أمثالهم. وتسميتهم بالمصرفيين لم تكن دقيقة تماماً ؛ إذ كانوا أشبه بشركات مالية تدير أعمالاً واسعة النطاق ، وهي نفس طبيعة أعمال عائلة "فوكس " لكن برؤوس أموال أضخم ومطامع ربحية أعلى.
تذمر آخر الضيوف وصولاً "المكان يزكم الأنوف يا هيربس! ألا يستحم هؤلاء الأوغاد أبداً ؟ أستطيع تخمين مصدر هذه الرائحة. يا إلهي ، كيف يتحملونها ؟ ". نظر إلى "هيربس " والآخرين في صدمة وأضاف "ألا تشعرون بفظاعتها ؟ أم أن حاسة الشم لدي تعطلت منذ تركتُ السفينة ؟ ".
ناولَهُ "هيربس " مشروباً وواسى روعه بلطف "أخبرني أحدهم أن عقولنا قادرة على تنقية الروائح التي لا نحبها ، لكن الأمر يتطلب وقتاً ، أتعلم ؟ لقد اعتدتُ أنا والآخرون على تجاهل الرائحة ولم نعد نلحظها. أنت فقط بحاجة إلى بعض الوقت ، استرخِ ، فالأمر ليس بهذا السوء! ".
ارتشف الضيف جرعة ؛ فأزاح الكحولُ طعمَ الفمِ ، وشعر ببعض التحسن "لن أعتاد هذا النتن أبداً. بمجرد أن تنتهي ، سأغادر فوراً! ".
ردَّ "هيربس " وهو يعود لمقعده "ذلك حقك.. لقد جمعتكم لأن لدي صفقة ضخمة لا يمكنني معالجتها بمفردي ، وآمل أن تساعدوني ".
بذكر الأعمال ، توجهت أنظار المصرفيين نحو "هيربس ". فقد خلفت إعادة الإعمار بعد الحرب والاضطرابات المالية في الاتحاد الكثير من رؤوس الأموال العاطلة. البعض اختار مشاريع ذات فترات اخذ طويلة وعوائد منخفضة ، والآخرون لديهم أموال تتدفق دون وجهة استثمارية جيدة.
هؤلاء المصرفيون ، المعتادون على تحقيق مكاسب هائلة في أيام أو أسابيع كانوا يزدَرون مشاريع إعادة الإعمار لأنها تستغرق وقتاً طويلاً. أما البنوك الحقيقية فكانت تحب تلك المشاريع ؛ لأنها تنشد عوائد مستقرة ولا تمانع في طول المدة ، بل كانت بالنسبة لهم كلما طالت كان أفضل.
لكن المصرفيين الدوليين أمثال "هيربس " كانوا يتعاملون بشكل أساسي في تدفقات رأس المال قصيرة الأجل ؛ كالقروض وتبادل العملات ؛ حيث المال السريع بمخاطر أقل ، لذا كان من الصعب عليهم التركيز على استثمارات البناء.
أن يستطيع "هيربس " جمع الجميع ، فهذا يعني أن المشروع ضخم ؛ أشبه بعاصفة مطيرة تضرب سهول "ناجاريل " القاحلة ، تندفع على أثرها الحيوانات لتقيم مأدبة.
لم يقاطع أحدٌ "هيربس " وهو يتابع "ربما سمعتم باسم (لينش). إن حقوق تطوير هذه المقاطعة التي نقف عليها تعود لمجموعة (بلاكستون) التابعة له ؛ فهو صاحب السلطة هنا ".
عند هذه النقطة ، قاطعه أحدهم "انتظر يا هيربس أنت تعلم أننا لا نهتم بالاستثمار في البناء. و إذا كنت تحاول دفعنا لتمويل (لينش) أو مشاريعه ، فلا أعتقد أن هذا حكيم ".
لم يظهر "هيربس " أي استياء ؛ بل استمع بهدوء ، وأومأ مبتسماً بدفء وتواضع "لم أنهِ كلامي بعد. لو استمعتم إليَّ للنهاية ، فلن تفكروا بتلك الطريقة ".
"...عذراً ، يرجى المتابعة ".
أومأ "هيربس " وأكمل "تحدث معي (لينش) مؤخراً. نحن نعلم أن تطوير الاتحاد هنا يتضمن توظيف الكثير من العمال المحليين ، وهذا جزء من اتفاقيتهم الدبلوماسية مع الحكومة المحلية ".
"إنهم يحتاجون إلى كميات ضخمة من عملة (فاليير) شهرياً لدفع أجور هؤلاء العمال. وتجار الاتحاد يستهلكون الكثير من الـ(فاليير) ، ويوزعونها على الناس العاديين ".
"لذا طلب (لينش) اقتراض بعض الـ(فاليير) مني لعمليات معينة ".
قاطعه آخر "اقتراض ؟ اعذر وقاحتي يا هيربس ، إذا كانوا يحتاجون الـ(فاليير) لدفع الأجور ، يمكننا تبادلها ، لماذا الاقتراض ؟ ".
توقع "هيربس " المقاطعة ، فقد طرح هذه النقاط لإثارة التساؤلات وإبقاء المحادثة متدفقة "هذا هو المشروع الحقيقي الذي أريد مناقشته ".
"يعتقد (لينش) أن الـ(فاليير) سترتفع نوعاً ما في سوق العملات الأجنبية قريباً. فتطوير سيد الاتحادفع بنمو سريع في صناعات (ناجاريل) التي تتمتع ببعض أرخص العمالة في العالم ".
"بعبارة أخرى ، مع وجود بنية تحتية يكفى و يمكنهم إطلاق قدرة إنتاجية مذهلة ، مما سيرفع من قوة (ناجاريل) الوطنية ، وهو ما سينعكس على سعر صرف الـ(فاليير) ".
"لقد لاحظتُ ارتفاع قيمة الـ(فاليير) بثبات مؤخراً ، لذا يريد (لينش) زيادة قيمتها أكثر. وطلبه ضخم ؛ ليس فقط لدفع أجور العمال ، إذا كنت تفهم قصدي ".
أدرك الجميع الآن ؛ إنها مضاربة بالعملة. فبسبب السياسة الدولية ، سترتفع الـ(فاليير). وإذا قام فرد أو مجموعة فجأة بامتصاص كميات كبيرة من الـ(فاليير) ، سيقل النقد المتداول ، مما يسبب نقصاً في السيولة في المناطق المرتبطة بـ(ناجاريل).
العملة سلعة تعكس القوة الشرائية ، وتخضع للعرض والطلب وقوى السوق. قلة الـ(فاليير) المتداولة ، مقرونة بآفاق إيجابية ، ستدفع سعرها للصعود. و علاوة على ذلك فإن ارتفاع قيمة الـ(فاليير) يناسب التطوير الشامل لـ(ناجاريل) ، ويساعد في توفير تكاليف الاستيراد.
عند سماع ذلك أُثير اهتمام المصرفيين. وسأل أحدهم "يبدو الأمر معقولاً. وبما أن الـ(فاليير) سترتفع ، فلماذا يريد (لينش) الاقتراض بدلاً من التبادل ؟ ".
شاركه الآخرون الشك ذاته ؛ فإذا كان من المقرر أن ترتفع الـ(فاليير) ، فإن التبادل الآن أكثر ربحية. و على سبيل المثال: مئة (سول) من الاتحاد يمكنها شراء عشرة آلاف (فاليير). وإذا استقر سعر الصرف عند 1:80 ، فإنه سيتكلف ثمانية آلاف (فاليير) فقط لإعادة شراء المئة (سول) الأصلية ، محققين ربحاً قدره ألفان (فاليير).
لكن الاقتراض يعني السداد. وإذا اقترض (لينش) الـ(فاليير) وسدد بعملة أخرى ، وكانت الفائدة أقل من نسبة ارتفاع الـ(فاليير) ، فلماذا يتنازل عن الأرباح ؟ وإذا اقترض وسدد بالـ(فاليير) مضافاً إليها الفائدة ، ألا يملك الكثير من المال ؟
إلا إذا ظل سعر الـ(فاليير) مستقراً ؛ بحيث تكون قيمتها عند الاقتراض مساوية لقيمتها عند السداد ، فحينها فقط لن يكون أحمق. ولكن ، هل (لينش) أحمق ؟