الفصل 166:
لم تهدأ أجواء الصخب في قاعة المزاد منذ ظهيرة ذلك اليوم وحتى وقت متأخر من الليل ، إذ كان الحضور يرفعون لوحات المزايده بحماسٍ بالغ ، بلغ ذروته عند طرح الشقتين للبيع.
لقد جاء كثيرون بدافع التجربة وحب الاستطلاع ، دون أن يعقدوا آمالاً حقيقية على الفوز بالمزايده ، لكن المرء يظل دوماً في حاجة إلى قليلٍ من الأحلام. وهذا الشغف هو ما أضفى على الأجواء حيوية متقدة استمرت حتى لحظة الختام ، حيث بادر البعض بالسؤال عن موعد المزاد القادم وعن طبيعة السلع التي ستُعرض فيه.
هذا المزاد الذي أسر الألباب لم يخيّب ظن "لينش " ؛ فقد بلغ حجم المعاملات 610 آلاف ، مسجلاً بذلك رقماً قياسياً جديداً في تاريخ مزادات شركة "إنترستيلر " للسلع المستعملة. سواء كان "نوا " أو المستثمرون الذين كانوا يراقبون من خلف الكواليس ، أو حتى عمدة مدينة "سابين " الذي كان يترقب النتائج ، فقد تنفسوا جميعاً الصعداء.
إن ما تحقق في مدينة "كورلاند " كان بمنزلة مؤشر تقريبي لما سيؤول إليه الحال في المدن الأخرى ؛ فربما لن تتجاوز مبالغ الصفقات هناك ما جُني اليوم ، لكن القيمة الحقيقية للنجاح كانت قد تجلت بالفعل.
كان الناس يتطلعون بشوق لمثل هذه المزادات ؛ فلقياس مدى رواج سياسةٍ ما ، لا يوجد معيارٌ أصدق من رغبة الناس في إنفاق أموالهم عليها طواعيةً. فخلف رقم المعاملات البالغ 610 آلاف كان المشترون قد وفروا في ميزانياتهم ما لا يقل عن 400 ألف ؛ وهو ما لم يكتفِ بإشباع رغباتهم الاستهلاكية وتوفير احتياجاتهم الضرورية فحسب ، بل خفف أيضاً من أعبائهم المالية. و لقد أحب الناس هذه المبادرة ، وأدركوا قيمتها ومنافعها ، ولهذا أقبلوا على شراء السلع بكل حماس.
حاصر المراسلون "لينش " وكان "ريتشارد " بجانبه ، بينما وقفت "كاثرين " خارج دائرة الزحام ، فلم تكن تلك الأجواء لتناسبها. حيث كان من الممكن أن يلتقط أحد المراسلين صورة لها وهي تقف بجوار "لينش " مما قد يُفسر على أنه لمحة من رومانسية شاب ، لكن لو وقفت "كاثرين " معه في لقاء علني كهذا ، لبعث ذلك بإشارة خاطئة للجمهور ، موهمةً إياهم بأنهما ما زالان معاً.
وفي الواقع لم يكن "لينش " ولا "كاثرين " مستعدين لذلك. و بالنسبة لـ "لينش " لم تعد المواعدة تحتل صدارة اهتماماته ، بل إنه حتى لو سمح لـ "كاثرين " بالدخول إلى حياته الآن ، فإنهما سينفصلان في نهاية المطاف لأسباب شتى. فقد أجرت إحدى المؤسسات دراسةً مثيرة للتفكير ، خلصت فيها إلى أن الأزواج ذوي المستويات التعليمية المتقاربة غالباً ما تدوم زيجاتهم أطول مقارنةً بمن يتفاوت مستوى تعليم أحدهم عن الآخر بشكل كبير. و كما طرحت هذه الدراسة تساؤلاً آخر "هل تعد الاهتمامات المشتركة ، وتكافؤ المستوى التعليمي ، وفاعلية التواصل ، شروطاً أساسية للحفاظ على الزواج ؟ ".
ببساطة ، مع تسارع خطى "لينش " لن تستطيع "كاثرين " اللحاق به ؛ وعندئذ حتى لو مدّ يده لانتشالها ، فلن يفلح في تحريكها. ستصبح مع مرور الوقت عبئاً غير ضروري في حياة "لينش " ومسيرته المهنية. وحتى لو لم يتخلَّ عنها "لينش " فإنها سترحل من تلقاء نفسها ؛ فمع ظهور نساء أكثر تميزاً في محيطه ، ستشعر بضآلة شأنها أمام بريقهن ، ولن تجد في نفسها سوى اليأس والشك.
ومن جانب "كاثرين " وهي تنظر إلى "لينش " في قلب الحدث ، شعرت بنوع من الغربة تجاهه ؛ فرغم ألفة ملامحه إلا أنها حينما تراه جاداً في عمله ، تشعر بأنه ينتمي لعالمٍ آخر. لم تدرِ كيف تصف هذا الشعور ، ربما كان هذا ما يسمونه "النضج ". كانت هي أيضاً ترغب في النمو ، وأن تصل إلى مستوى "لينش " لترفع القناع عن وجهه وتكتشف "لينش " الحقيقي. و لكنها لم تكن مستعدة بعد ؛ فكان عليها استغلال هذه الفكرة كمصدر للتحفيز ، لتنمو وتنضج بسرعة ، فحينها فقط ستستطيع فهم ماذا يجري ، وتغيير نفسها وهذا الغريب الذي كان يوماً أقرب الناس إليها.
راقبت "كاثرين " ظهر "لينش " وتنهدت بصمت ؛ ففي بعض الأحيان ، لا يكون التميز الزائد ميزة. ففي المرحلة الثانوية كان "لينش " الطالب الوحيد الذي يحظى بامتياز تناول الغداء في مكتب المعلمين تحت مكيف الهواء ، وكان أيضاً محط إعجاب الكثير من الفتيات. ومن السهل تخيل الضغوط التي شعرت بها "كاثرين " وهي تواعده في تلك البيئة. والآن ، عاودها ذلك الشعور بالضغط من جديد ، لأن طابوراً من الفتيات "في الطريق إليه " وكان عليها أن تبذل جهداً مضاعفاً.
في هذه الأثناء كان "لينش " يتبادل الضحكات مع المراسلين "بالطبع ، لقد صنعنا معجزة جديدة ، لكن الهدف من صنع هذه المعجزة ليس أن نجعلها مقياساً لنا أو للصناعة بأكملها... ". كان هذا التصريح منافياً للواقع قليلاً ، لكن المراسلين يعشقون هذا النوع من البلاغة ؛ فالأخبار التي تفتقر للإثارة لا تجذب أحداً ، ولا يهم إن كان القراء سيصدقونها أم لا ، فالمهم هو ألا تنقص أجور مقالاتهم. "إن الغاية من صنع المعجزات هي التمهيد لمعجزة أكبر في المستقبل تتفوق عليها ".
رفع "لينش " رأسه قليلاً ، بابتسامة واثقة ووسامة ونضجٍ متكلف جعله شخصية يصعب كرهها حتى وإن اعتبر البعض ما يقوله تباهياً. ونظر إلى الكاميرا بعينين تملؤهما العزيمة والرؤية المستقبلي قائلاً "نحن الوحيدون القادرون على هزيمة أنفسنا ". ألهبت هذه العبارة حماس المراسلين ، مدعومةً بتلك الهدايا البسيطة وقسائم التجربة التي أعدها لهم "لينش ". فبفضل هذه القسيمة ، صار بإمكان المراسل اختيار قطعة مستعملة لا يتجاوز ثمنها خمسين دولاراً من قائمة شركة "إنترستيلر ". لقد غمرت السعادة المراسلين ، وبشكل غريزي ، رسموا صورة إيجابية للغاية عن "لينش " في مقالاتهم.
ومع تفرق الحشود ، رتب "لينش " لمن يوصل "كاثرين " إلى المنزل ، فقد كان لديه الكثير لينهيه تلك الليلة. وبعد رحيلها ، طلب من "ريتشارد " أن يحتفل مع الشباب. وحين وصل الشباب إلى المكان المليء بالطعام الشهي ، والنبيذ الفاخر ، والنساء الجميلات ، والمال ، خلع الجميع أقنعة التحضر وانغمسوا في صخبٍ جامح.
يجب القول إن "ريتشارد " كان في نظر "لينش " أقرب الناس إلى "النجاح " دون منازع ، فإلى الآن لم يتفوق عليه أحد. حيث كان كفؤاً في عمله ، وجامحاً بما يكفي عند اللهو حتى إنه ملأ مسبحاً مطاطياً صغيراً بكتل المال ووضع كرسيين بداخله. حيث كان المال يبدو كأنه ماء ، ثم جعل الفتيات يقفن على الكراسي وينحنين لنصف قامة ، ليلتقطن المال بطريقة خاصة ؛ ولكل واحدة فرصة واحدة ، وما تلتقطه يكون من نصيبها. وكلما زاد جنون هؤلاء الرجال في لهوهم ، زادت حاجتهم لمثل هذه الحياة ، ولرفقة "لينش " ووجوده.
وبعد أن احتسى قليلاً من النبيذ وشجع الجميع ، غادر "لينش " ؛ فقد أخبره موظفو الفندق أن الأشخاص الذين كانوا ينتظرهم قد وصلوا. رتّب هندامه ، وخلع سترته في الشرفة المجاورة للممر ليتخلص من رائحة الدخان والنبيذ القوية ، ثم سار نحو قاعة اجتماعات صغيرة في الفندق بعد أن انتظر قليلاً.
كان هناك حوالي عشرة أشخاص ينتظرون في القاعة ، أكثر من نصفهم من مدينة "سابين ". كانوا النواة الأولى من رأسمالي "الحزب التقدمي " الذين تواصل معهم "لينش " في البداية وأبدوا اهتماماً بالاستثمار في شركته. أما البقية فكانوا مستثمرين محليين ، وهم أيضاً أعضاء في الحزب نفسه.
غالباً ما يكون اختيار المعسكر السياسي بالنسبة للرأسماليين أمراً غير ذي بال ؛ فما دامت هناك أرباح و يمكنهم تغيير مواقفهم في أي لحظة تماماً مثل المدير التنفيذي "نيو " الذي لا بد أنه يبتسم بتهكم في هذه اللحظة. و لقد جاء هؤلاء بناءً على توصية من "نوا " لحضور المزاد شخصياً ، طمعاً في جني بعض المكاسب من هذه الصفقة التجارية.
في ظل الركود الاقتصادي كانت الخسائر تعم الجميع ؛ فصناعات الزراعة والمواشي تسيطر عليها الشركات الكبرى والتكتلات الاقتصادية ، ولا توجد صناعة يمكنها الادعاء بثقة بأنها رابحة باستمرار. لذا حين تظهر فرصة تجارية تمكنهم من الربح عكس التيار ، وتُروّج لها على أنها "سياسة نافعة للشعب " فمن الطبيعي أن يرغبوا في الانخراط فيها. ليس لأجل شيء ، بل فقط للحفاظ على أموالهم في هذا الموج المتلاطم وادخار بعض رأس المال للمستقبل.
كان "لينش " راضياً جداً عن الوضع الحالي ؛ وحين سمع أن هناك مجموعتين تودان مقابلته ، أمر الفندق بجمعهما معاً. فالمنافسة تصنع المعجزات ، وهي مقولة تنطبق على أي لعبة يدخل فيها المال. ونظراً للمجموعتين المتميزتين ، جلس "لينش " على أريكة مفردة بابتسامة وطلب كوباً من القهوة. وبينما كان ينتظر ، أسند مرفقه على مسند الأريكة ، ووضع ذقنه على يده ، ونظر إليهم بابتسامة قائلاً "أؤمن بأننا سننسجم معاً بشكل جيد جداً في المستقبل ".
وفكّر "لينش " في هؤلاء الأشخاص الذين سيحولون أموالهم إليه قريباً ، فوجدهم في تلك اللحظة شخصيات جذابة للغاية. وأحياناً كان يتساءل إن كان هناك خطب ما فيه ؛ فبعد أن عاش ما عاش في حياته السابقة ، لِمَ لا يستطيع التخلي عن كل هذا ؟ لقد فكر في الأمر ؛ فالثراء بالنسبة له مجرد أرقام ، ولديه طرق لا تحصى لخلق معجزة تلو الأخرى في هذا العالم الذي ما زال متأخراً نوعاً ما.
لكن وماذا بعد ؟
في النهاية ، أدرك الحقيقة ؛ فهو في جوهره إنسان دنيوي لا يستطيع العيش دون تلك الأرقام ، ودون أسلوب الحياة البراق المليء بأضواء النيون والصخب الذي لا ينتهي.