الفصل 166: نظرةٌ حادة
حين دلف "لوهان " إلى قاعة الدراسة ، راح يتلفتُ حوله بحذرٍ بحثاً عن "إيزابيلا ".
ورغم شكه في كونها هي "ليزا " فإن مجرد حقيقة أنها دافعت عنه بتلك الطريقة كانت سبباً كافياً ليزداد اهتمام الآخرين به ؛ فلو أبدى أي اهتمامٍ تجاهها ، أو -ما هو أسوأ- تصرف معها بألفة ، فإن حجم الأنظار التي ستتجه نحوه سيتضاعفُ بجنون.
لو كان طالباً عادياً ، لَمَا كان لهذا الاهتمام أيُّ وزن ، لكن "جوليان نيل " قد أوضح له مسبقاً ما يمكن أن يفعله الاهتمام المفرط.
اليوم كانت "إيزابيلا فانس " تحميه دون أن يضطر هو لاستعراض أي قدرات تفوق المعتاد ، ومع ذلك ظل هناك طلابٌ من "المنطقة العليا " يرمقونه بريبة ، لا سيما أولئك الذين يمتلكون "قواعد نادرة " ؛ فقد كانوا ينظرون إليه بتشككٍ عميق ، وكأنهم يحاولون استجلاء ما إذا كان ما استشعرته حواسهم الخارقة حقيقياً أم لا.
وعلى عكس ذلك الصبي من "المنطقة السفلى " الذي رأى الواقعة عن كثب كان فتيان "المنطقة العليا " يقفون على مسافةٍ بعيدة من "لوهان " تحول دون يقينهم مما رأوه.
أثناء نظره حوله كان من الصعب ألا يلحظ خصلات شعرها الأحمر القاني.
كان مدخل القاعة يقع بجوار مكتب المعلم ، مما منح "لوهان " زاوية رؤية مثالية لوجه "إيزابيلا " في تلك اللحظة.
خطر له أنها ربما تنظر إليه ، وأنهما من خلال تبادل النظرات قد "يتحدثان " دون الحاجة إلى كلمات ، لكن "إيزابيلا " كانت تنقر على شاشتها الهولوغرافية ولم تكلف نفسها حتى عناء النظر إليه.
شعر "لوهان " بشيء من خيبة الأمل ، لكنه لم يسمح لهذا الشعور بأن يؤرقه.
انتقل إلى الجانب المقابل لطلاب "المنطقة العليا " وجلس في بقعة تتيح له النظر إلى "إيزابيلا " دون تكلف ، وطوال الحصص التالية ، ظل يراقب تلك الفتاة.
خلافاً للصورة التي رسمها في خياله لـ "ليزا " بدت "إيزابيلا " كتمثالٍ حي ، منحوتٍ بدقة في كل تفاصيله ، ولعلها أجمل امرأةٍ وقعت عليها عيناه قط.
كان جمالها طبيعياً تماماً ، ولا يبدو عليها أي أثرٍ لعمليات تجميل ، كما أنها لم تكن تضع مساحيق تجميل ثقيلة ، مما زاد من بريق الجمال الذي تتمتع به أصلاً.
كلما أمعن "لوهان " النظر ، زادت دهشته من مظهر الفتاة.
لم يسبق له أن ركّز نظراته عليها بهذا الشكل الحاد ، وحتى الآن كان يكتفي بالنظر إليها لبضع ثوانٍ قبل أن يصرف بصره متظاهراً بعدم الاكتراث ، ورغم محاولاته المستميتة لإخفاء ذلك فإن الاهتمام الذي كان يغمرها به كان يكاد يجنن الفتاة.
خلف الشاشة الهولوغرافية الذهبية الضبابية كان قلب "إيزابيلا فانس " يخفق بوتيرة متسارعة ، وكانت تستعين بكل ذرة تدريبٍ خضعت له لتحاول إخفاء ارتباكها.
أبقت عينيها مثبتتين على صفحات عشوائية لتتظاهر بأنها مشغولة بأمرٍ جلل ، لكن عقلها كان محصوراً تماماً في الجانب الآخر من القاعة ، حيث يجلس "لوهان هيز ".
كانت تشعر بثقل نظراته كل بضع دقائق ، وكان ذلك الإحساس يشبه تياراً كهربائياً يسري في جسدها حتى إنه كاد يكون ملموساً. أحست بأنه يحاول إخفاء نظراته بعدم التركيز عليها طويلاً ، ولكن في كل مرةٍ كان ينظر فيها إليها كان شيءٌ ما يتجمد في صدرها وتشعر بارتباكٍ يغمرها من جديد ، مما يجعل كل ما فى الجوار يبدو ضبابياً.
"إنه ينظر إليّ مجدداً... " فكرت بذلك وشعرت بحرارةٍ تتصاعد في عنقها ، مما أجبرها على التنفس بعمق حتى لا يطغى الحمرة على وجهها.
كان ذلك الإحساس يدفعها إلى الجنون!
كلما زاد نظره إليها ، زاد قلق "إيزابيلا " حيال ما يدور في خلده.
"إنه بالتأكيد أدرك أنني ليزا... تباً ، ماذا سيفعل ؟ هل سيؤثر هذا على تصرفه تجاهي ؟ ألم يكن الأجدر بي ألا أتجنب نظراته حين دخل ؟! يا إلهي ، لقد كنت مرتبكة لدرجة أنني أردت الاختباء فقط... "
حين دخل "لوهان " إلى القاعة ، تعمدت "إيزابيلا " تجنب نظراته ، فقد كانت خجلةً للغاية من مواجهته ، وتخشى تلك النظرة التي قد يلقيها عليها.
لم تكن ترغب في أن ترى على وجهه تلك النظرة البعيدة التي كانت يراها في عيون الجميع ، أو ذلك التملق الأعمى الذي يكنّه الناس لاسم عائلتها...
"أريد لصديقي أن يبقى كما كان... أريد ذلك الـ(وحل) المزعج الذي لم يخشَ مضايقتي كما لو كنت فتاة عادية... " كانت تفكر في ذلك حين انقبض صدرها مجدداً ، وعاد الاحمرار ليغزو وجهها لأنها شعرت بنظراته عليها مرة أخرى.
شعرت "إيزابيلا " بأطراف أصابعها ترتجف بخفة فوق الواجهة الهولوغرافية.
كانت تود أن تلتفت كانت ترغب في ملاقاة نظراته لتدعه يرى ، ولو للحظة ، أنها تعرف تماماً هويته. حيث كانت تتوق لكسر حاجز الصمت والمسافة الاجتماعية التي فرضتها هويتهما في العالم الواقعي ، لكنها كانت تدرك أن ذلك مستحيل.
وبمعرفتها لـ "هالون " كانت تدرك أنه في تلك اللحظة كان عقله يعمل بأقصى طاقته ، وربما يستخدم المعالجة المتوازية ليفكر فيما ينبغي عليه فعله.
كان يتجنب التواصل ، سواء لحمايتها من الاهتمام السلبي الذي قد يطالها لمصادقتها شخصاً من "المنطقة السفلى " أو ليحمي نفسه من الأنظار التي ستلاحقه بسببها.
"توقف عن ذلك يا هالون... " تمتمت في سرها ، وارتسمت ابتسامةٌ تكاد لا تُرى على طرف شفتيها وهي تعض على شفتها السفلى. "توقف عن النظر إليّ هكذا ، لا أستطيع التركيز! "
كانت المشاعر التي انتابتها في تلك الحصة تفوق كل التقلبات العاطفية التي شعرت بها طوال حياتها الدراسية مجتمعة.
تلك الساعات الأربع في الفصل بدت كأنها أربعون ساعة بالنسبة لـ "ليزا " التي اضطرت للتعامل مع نظرات "لوهان " التي تظهر وتختفي كل بضع دقائق.
حين انتهت الحصة أخيراً لم يفكر عقل الفتاة -الذي كان على وشك الانهيار- مرتين ؛ التقطت أغراضها ، وبخطواتٍ واسعة ، غادرت القاعة مسرعة متوجهة مباشرة إلى مرآب الكلية.
بجلوسها على مقعد السائق في سيارة "الفيراري " تمكنت "إيزابيلا " أخيراً من التقاط أنفاسها ، وبعد تفعيل عازل الصوت في السيارة ، أطلقت صرخةً ، مفرغةً كل ما اضطرت لكبته داخلها طويلاً.
"تباً لك يا هالون ، كن أكثر حذراً في المرة القادمة! " صرخت بذلك وهي تشعر براحة أكبر الآن.
وبينما كانت "إيزابيلا " تقود "الفيراري " عائدةً إلى منزلها كان "لوهان " في ركنٍ منعزلٍ من الكلية ، يسير بجانب صبيٍ لم يسبق له التحدث معه من قبل ، يملؤه الفضول ليعرف سبب محاولة ذلك الصبي لفت انتباهه.