الفصل 138: إسحاق فانس
في غرفة فاخرة داخل نُزلٍ في "إيثيلجارد " كان رجلٌ يقلب كومةً من الأوراق ، مستمتعاً بهذا الشعور. حيث اعتاد إسحاق فانس التعامل مع الوثائق رقمياً ، لذا شعر وكأنه قد عاد بضعة قرون إلى الوراء بوقوفه مضطراً للتعامل معها بهذه الطريقة. حيث كان شعوراً غريباً ؛ فبينما كانت العملية أكثر منهجية ولها سحرها الخاص إلا أن البطء الشديد فيها كان يكاد يُفقده صوابه.
"تباً كان بإمكاني إنجاز هذا بسرعة تزيد بعشرة أضعاف لو استطعت استخدام ميزات المسح الضوئي في جهازي البصري هنا... والآن أجد نفسي مرغماً على قراءة كل تقبيله دقيقة بلغة منمقة وغير عملية ، فقط لأن نبلاء هذا العالم يظنون أن كلما كانت الكتابة معقدة ، زادت مكانة كاتب النص... " تنهى إسحاق وهو ينهي قراءة السطر الرابع من شرحٍ لشيءٍ كان يمكن وصفه في أقل من عشر كلمات.
ومما زاد الطين بلة ، أنه كان يضطر أيضاً إلى تقليد أسلوب الكتابة هذا ، بل وجعل نصه أكثر تعقيداً من نصوص نبلاء هذا العالم ، ليُظهر لهم مدى نبالته وسعة علمه حتى لا ينظروا إليه بدونية.
[... أقترحُ ، لإمتاع هذه البلاط ولإبقاء المعرفة للأجيال القادمة ، ألا يعود التنقيب مجرد ممارسة للقوة الغاشمة ، بل فعلاً من أفعال التمييز البصري الهندسي. فمن خلال مراقبة الكسور الدقيقة الناتجة عن الإجهاد التكتوني ، وهي تفاصيل تخفى على العين العادية ولكنها تتجلى للمراقب الفطن ، يصبح من الممكن حث انفصال جزيئي متعمد...]
في خضم كتابته ، دُقَّ باب الغرفة ، مما أخرج إسحاق من تركيزه.
قال بصوت بارد "تفضل بالدخول ".
-- صريرٌ حاد --
أصدر الباب صريراً ، ودخلت من خلاله المرأة ذاتها التي وبخها إسحاق قبل ساعات قليلة ، ولا تزال تحتفظ بقوامها الفاتن ومظهرها الجذاب ؛ توقفت نظراته لثوانٍ إضافية على كل جزء من جسدها قبل أن ترتفع أخيراً لتلتقي بعينيها. لم تبدِ مارثا أي رد فعل ؛ فقد اعتادت على التعامل مع نظرات رئيسها ، وعلمت أن الحفاظ على منصبها يتطلب تقديم بعض التنازلات ، وكان تحوله إلى نموذج لنظراته هو التنازل الأهم.
رغم موهبتها وتفانيها كانت مارثا تدرك أن ما يميزها عن بقية من وظفهم في "فيلا نوفاتو " هو جسدها. وبعد أن التقت به شخصياً ، وتعرفت أيضاً على سكرتيرته في العالم الحقيقي ، رأت أن جسد تلك المرأة كان نسخة طبق الأصل من جسدها ، مما جعل تفضيل السيد الشاب إسحاق فانس لـ "الناضجات " أمراً لا لبس فيه.
كانت معاملتها بهذه الطريقة تكاد تفتت كبرياء مارثا ، لكن الراتب الفلكي الذي كان تتلقاه من مجموعة فانس كان يعوض ذلك تماماً ، لذا أصبحت بالتدريج أكثر تبلداً تجاه الأمر وأقدر على التعايش مع الوضع.
تظاهرت مارثا بعدم ملاحظة نظراته الشهوانية على جسدها ، وقالت "لقد اقترب جنودنا من الوصول إلى المستوى 12 يا سيدي الشاب. ومع احتمالية اكتمال ارتقائهم في غضون ساعتين ، سيكون ذلك الوقت الأنسب للبدء في رفع مستواك. ومع ذلك يطلب اللورد راندولف ويتفيلد حضورك إلى قصره في التوقيت نفسه. ماذا تود أن تفعل ؟ "
بسبب اضطراره للتعامل مع البيروقراطية المملة التي يفرضها البشر في هذا العالم لم يكن لدى إسحاق متسع من الوقت لقتال الوحوش لرفع مستواه. ومثلما لم يكن يجدر به تكليف أي شخص بالتعامل مع البشر -لإدراكه مدى أهمية الانطباعات الأولى- فإنه لو جعل أحداً يتفاعل مع النبلاء نيابة عنه ، فإن المكانة المكتسبة من أفكاره وقيادته ستُنسب في جزء كبير منها لذلك الشخص. لو كان ذلك الشخص ممن يثق بهم ، كأقرب طاقم عمل لديه في العالم الحقيقي ، لما قلق إسحاق ، لكن من حوله كانوا موظفين في "فيلا نوفاتا " الخاصة به ، لذا لم يكن هناك من يستحق مثل هذه الثقة.
من ناحية أخرى لم يكن بإمكانه السماح لمستواه بالتراجع ؛ فحتى لو لم يكن الأقوى في النقابة لم يكن بوسعه أن يكون ضعيفاً لدرجة تجعله عرضة للخطر. الحل الذي وجده هو أن يذهب جنوده لقتل الوحوش بمفردهم بينما ينشغل هو بالتعامل مع النبلاء ؛ ثم بمجرد ارتقائهم ، يستخدمون قوتهم المتزايديه لاصطحاب إسحاق في رحلة صيد ويتركون له فرصة اقتناص معظم نقاط الخبرة عن طريق القضاء على الوحوش الضعيفة.
كان كل جندي يصطاد وحشاً ويحضره لإسحاق ، فيقتله إسحاق ويتقاسم الخبرة حصرياً مع ذلك الجندي ؛ ثم يحضر جندي آخر وحشاً إضافياً يقتله إسحاق ليحصل على نصف خبرة ذلك الوحش ، بينما يحصل الجندي على النصف الآخر. وبهذه الطريقة ، مع وجود أربعة جنود يصطادون ، سيحصل كل منهم على (س) من الخبرة لكل وحش ، بينما يحصل إسحاق على (4س) من تلك الخبرة ، مما يتيح له الوصول إلى مستواهم بسرعة أكبر بكثير مما لو كان يرفع مستواه بمفرده.
بالطبع ، أدى هذا إلى إبطاء سرعة تطور الجنود قليلاً ، لكن بالنسبة لإسحاق لم يكن ذلك مهماً. هؤلاء الجنود لم يكونوا مرتزقة القوات الخاصة الذين دربهم في العالم الحقيقي ليكونوا طليعة محاربيه في "إليسيوم " ؛ هؤلاء كانوا جنود إسحاق للتقدم عبر "إليسيوم ". أما الجنود الذين كانوا يملكهم الآن ، فلم يكونوا سوى قدامى محاربين وظفهم في "قرية المبتدئين " لخدمة مصالحه في رفع المستوى.
لماذا كان جنود النخبة ما زالون في قرى المبتدئين بينما استطاع قدامى المحاربين العشوائيون الذين وظفهم إسحاق الارتقاء بهذه السرعة ؟ لأن ذلك كان صلب عملهم. حيث كان من المفترض أن يمشط هؤلاء الرجال كل قرية مبتدئين يتواجدون فيها ، باحثين عن فرص لتحسين فئاتهم وأعراقهم من خلال الفرص الخفية في تلك الأماكن ، بينما كانت مهمة الجنود المرافقين لإسحاق تقتصر على رفع مستواهم بأسرع ما يمكن.
"حسناً يا مارثا ، أكدي للورد راندولف ويتفيلد أنني سأكون في قصره ؛ أعتقد أن أفكاري لزيادة ربحية متاجره قد أثارت اهتمام ذلك الخنزير السمين. " سخر إسحاق من النبيل دون ذرة ندم. التى لم تهتم مارثا بتعليق رئيسها وأومأت برأسها ، ثم استدارت وغادرت الغرفة وهي تهز وركيها ذات اليمين وذات الشمال.
مراقباً ذلك القوام المثير وهو يتراقص أمامه ، ابتسم إسحاق مجدداً ، فخوراً بعثوره على امرأة مفيدة وشهية كهذه في قرية المبتدئين الخاصة به. ورغم أن مستوى مهارة مارثا التقنية كمساعدة كان ما زال بعيداً عن مستوى "هاريت " مساعدته في العالم الحقيقي إلا أن مارثا كانت تتمتع بميزة كونها "لعبة جديدة ". فكونها واجهة حسناء وجديدة كان يعوض عدم خبرتها.
"في الواقع ، تلك القلة في الخبرة تجعل الأمر أكثر إثارة. " فكر باكتفاء وهو يعود إلى مكتبه ليواصل ملء تلك الأوراق المملة. ومع تفكيره في "اللورد راندولف ويتفيلد " اتخذ إسحاق تعبيراً بارداً "آمل ألا يجعل طمعك استثماري فيك بلا جدوى. "
للحصول على المكانة التي تكفي لتأسيس نقابته في "إيثيلجارد " كان إسحاق يعمل بجد لتقديم أفكار مربحة ومبتكرة لهؤلاء النبلاء. وبالطبع كان ينوي اخذ كل ذلك الاستثمار في المستقبل بشتى الطرق ، ولكن في الوقت الحالي ، وفي لحظة عجز كالتي يعيشها لم يكن أمام إسحاق سوى القبول والتعامل مع الأمر بأفضل ما لديه.
-ششش-
بينما كان فانس يعاني مع الأوراق واللغة المنمقة بلا داعٍ كان فانس الآخر يقاتل حالياً مجموعة من وحوش "غولم الحجر " السحرية الصغيرة من المستوى 9 والمستوى 10.
توقف "غولم " المستوى 10 ، بكتلته الجرانيتية المهيبة وروناته النابضة ، فجأة في منتصف ضربة هابطة. حيث كانت نسخ "لوهان " المصغرة قد تسللت إلى شقوق الغولم وحقنت [سم شلل الأعصاب] المشبع بالمانا مباشرة في "أعصاب " المانا الخاصة بالوحش ، مما أدى إلى زعزعة تماسك الصخور.
"الآن يا ليزا! نقطة الضعف بين الفقرة الثالثة والرابعة! استخدمي [رمح الجليد] الممزوج بالنار! " أمر "لوهان " عبر الرابط الذهني ، مما جعل الحرارة تتدفق من [نواة الطاقة الطبيعية] الخاصة به إلى الثعلبة.
لم تضيع ليزا تلك الفرصة. مستخدمةً [المراسلة الجاذبية] التي وفرتها كتلة "لوهان " لتثبيت قفزتها ، اندفعت للأمام كشبه وميض أبيض محمر. وفي الهواء ، جسّد "لوهان " رمحاً من الجليد المضغوط ، غلفته ليزا لحظياً بوهج [نارها الروحية] الساطع. ورغم عدم توافق العناصر ، حيث كانت النار الروحية تذيب جليد "لوهان " بسرعة إلا أن الهجوم كان من السرعة بحيث لم يؤثر ذلك على النتيجة.
كان التصادم دقيقاً تماماً! اخترق الرمح الجليدي الشق الذي فتحته النسخ ، وعند اصطدامه بالحرارة الشديدة للهب ، تسبب في تمدد جزيئي عنيف داخل المخلوق.
-- تحطم! --
انفجر العملاق الجرانيتي من الداخل إلى الخارج ، وتحول إلى وابل من الحصى الخامل وغبار السحر. سارع "لوهان " بجمع شظايا كتلته الحيوية عبر [التقسيم الجزئي] ، مستشعراً عودة الطاقة إلى مستودعه عبر [دورة المانا الحيوية الاصطناعية] بينما التقط [رنين الذاكرة] أصداء المعادن الأخيرة للعدو.
[الخبرة: +450]
مع عودة الصمت إلى الساحة الصخرية حيث وقفوا ، خرخر "لوهان " باكتفاء على ظهر ليزا.
قال بحماس "إن كفاءتنا وتنسيقنا يتحسنان كثيراً! "
ابتسمت ليزا أيضاً ، مسرورة للغاية بكيفية تطور أسلوب قتالهم.