الفصل الخامس: 05 - المكاسب السلبية!
ساد الصمتُ أرجاءَ الغابة ، ولم يكن يقطع سكونَ الهواء سوى صوتِ انزلاق كتلته الهلامية على الأرض. أحياناً كانت تمرُّ حشرةٌ طائرة ، فتعكسَ أشعةَ الشمس عن جسدها للحظة خاطفة قبل أن تتوارى في الظلال.
لحسن الحظ لم تكن هناك وحوشٌ أخرى في الجوار.
أمضى ساعةً أخرى متجولاً في الغابة ، يسحق الحشرات ويُذيب كلَّ ما يعثر عليه في طريقه.
ومما تعلمه أيضاً هو ضرورة الاحتفاظ برصيدٍ من "الكتلة الحيوية " (بيوماسس) كصمام أمان.
لقد أدرك أثناء معاركه أن الكتلة الحيوية ليست مجرد عُملة ينفقها ليتطور ، بل هي "الزمن " الذي يمنحه هامشاً للخطأ ؛ فعندما يكاد لُبُّه يخلو منها ، يبدأ جسده بفقدان توازنه وشكله.
وفي أسوأ الظروف كان بإمكانه استخدام هذه الكتلة الاحتياطية لشراء مهارةٍ تعينه في المواقف الخطرة وتزيد من فرص نجاته.
لكنَّ المشكلة التي واجهته عند استغلال هذا المصدر الجديد كانت بطءَ عملية الهضم لديه.
فعند التهام حشرةٍ صغيرة تزن 0.5 من الكتلة الحيوية كان "لوهان " يحتاج للبقاء ثابتاً فوقها لمدة 13 دقيقة ونصف ، وهي سرعةٌ تزيد بنسبة 21% عما كانت عليه حين وصوله إلى هذا العالم ، لكنها تظل بطيئةً للغاية.
وبعد مرور ساعة كان قد جمع 2.17 من الكتلة الحيوية.
لذا قرر إجراء اختبار.
بإضافة ما كان قد ادخره مسبقاً إلى ما حصده في الساعة الأخيرة ، أصبح لديه رصيدٌ كافٍ لتجربة تطورٍ كان يصبو إليه.
كان يشعر بنعاسٍ شديد ، فقد قضى اليوم بأكمله في الدراسة وساعاتٍ طوال في اللعب ، وكان يعلم أن عليه المغادرة إلا أن أحد التطورات كان يحمل وصفاً مغرياً للغاية.
[الهضم السلبي - المستوى 1 - 2 كتلة حيوية]
[يطور الجسد عملياتٍ دقيقةً ذاتية لتحويل الطاقة ، حيث يمتصُّ آثار المانا والمادة من البيئة المحيطة ، ويولد الكتلة الحيوية ببطء حتى في حالات السكون.]
لم يكن يعلم ما الذي سيحدث لجسده بعد خروجه من اللعبة ، ولكن وفقاً لتعريف هذه المهارة ، فإنه نظرياً ، وطالما أن جسده ما زال موجوداً في مكان ما ولم يُحذف من الوجود ، فسيظل قادراً على توليد الكتلة الحيوية بنفسه.
"إذن حتى وإن لم أكن داخل اللعبة ، سأتمكن من كسب الكتلة الحيوية لإنفاقها حين عودتي ، أليس كذلك ؟ "
لم يكن يرغب في إضاعة وقته في العمل الشاق (الطحن) فقط ، فرغم اعتياده على اللعب لست عشرة ساعة في عالم "ووو " السابق ليجمع ما يريده من مراكب إلا أن مسؤولياته في هذا العالم كانت أثقل ؛ ولو فوّت محاضرة ، فستجد الجامعة ذريعةً لتقليص نفقاتها والتوقف عن دفع مستحقات مساعدته ، بل وقد تطالبه بغرامة تعويضية.
لذا لم يملك سوى أن يتنهد ويشتري هذه المهارة ، آملاً أن تعوض هذه المكاسب السلبية ما ينفقه من كتلة حيوية.
بمجرد شرائه لهذا التطور ، سرت موجةٌ خفيفة في جسده.
بدأت المادة الهلامية حول لُبِّه بالدوران ببطءٍ شديد ، ببطءٍ لدرجة أنه لولا كونه هو من يمتلك هذا الجسد لما لاحظ ذلك ولكن هذه الحركة البطيئة كانت تولد له الكتلة الحيوية باستمرار!
تدفقٌ دافئ خافت سرى عبر لُبِّه... وكأن العالم من حوله يتنفس من خلاله. وشيئاً فشيئاً ، بدأ شريط الكتلة الحيوية في الارتفاع.
0,0001... 0,0002... 0,0003.
فتح "لوهان " حالة النظام وحلل سرعة ارتفاع الكتلة الحيوية ، وتوصل إلى نتيجةٍ قدرها 0,00363 من الكتلة الحيوية في الدقيقة.
ساعةٌ واحدة من هذا التطور ستمنحه 0.217 من الكتلة الحيوية ، مما يعني أنه بعد أكثر بقليل من أربع ساعات ونصف سيحصل على 1 من الكتلة الحيوية ، وبعد تسع ساعات سيسترد ما استثمره في هذه المهارة ، ليبدأ بعدها في جني أرباحٍ لا نهائية!
بالنظر إلى هذا العائد ، أدرك "لوهان " أن هذه القيمة تشبه كثيراً ما يحصل عليه من التهام الحشرات.
"هل يؤدي [الهضم الفعال] أيضاً إلى زيادة ما يجنيه [الهضم السلبي] ؟ إن كان الأمر كذلك فإن ذلك وحده سيعوض التكلفة وزيادة! "
بمشاهدته لمدى ربحية هذا الأمر ، فكر في التركيز على هذا الاستثمار السلبي ، لكن للأسف ، ومثل سائر المهارات كان سعر التطوير يرتفع بوتيرة أسرع من العائد.
"حتى لو زادت التكلفة أكثر من الدخل ، فإذا كان مكافأة الـ 10% لكل مستوى من [الهضم الفعال] تنطبق أيضاً على هذا التطور ، فإن الاستثمار فيه سيكون دائماً ذا جدوى ، خاصةً وأنني لن أضطر لفعل أي شيء لأجني ثماره! "
بعد أن شعر بالرضا عن هذا التطور ، قام "لوهان " أخيراً بتسجيل الخروج من اللعبة.
ببطء ، عاد وعيه من عالم اللعبة إلى جسده في العالم الحقيقي ، حيث قدمت له الخوذة محاكاةً مرئيةً له وهو يسافر عبر الفضاء الفائق.
ومع سحب وعيه للخلف ، بدا جسده وكأنه يتفتت إلى ملايين الجسيمات قبل أن يبتلعه نفقٌ من الضوء.
كانت حاسة الشم هي أول ما عاد إليه ، جالبةً معها رائحة العفن والتلوث الكريهة.
أثناء تواجده في "إليسيوم " كان قد نسي مدى سوء التنفس في العالم الحقيقي ، حيث كانت الشوائب في الهواء تكاد تمزق رئتيه مع كل شهيق.
ثم تلتها حاسة اللمس ، إذ استعاد تدريجياً السيطرة على جسده.
كان اخذ اليدين والساقين شعوراً لا يصدق ؛ فبالنسبة لشخصٍ لم يملك أي سيطرة على جسده في العالم السابق ، حيث كان مجرد كرة هلامية تتدحرج لم يكن هذا الأمر جديداً تماماً ، لكنه ظل شعوراً غير مريح.
أما ما عاد تالياً فهو بصره ، ولكن بدا وكأنه لم يعد فعلياً ، فكل شيء كان غارقاً في الظلام.
في ذلك الوقت كانت مصابيح الشوارع قد أُطفئت ، وتوفيراً للطاقة ، أُطفئ كل ما يصدر ضوءاً في منزله.
لم يكن ضوء القمر حتى مرئياً من خلال النافذة ، إذ كان دخان التلوث يغطي السماء تماماً في تلك المنطقة من المدينة.
ولشعوره بالتعب ، نزع "لوهان " خوذته ببساطة ، ووضعها برفق على أرضية غرفة النوم ، والتفَّ على جانبه ونام ، متجاهلاً شعوره الخفيف بالجوع.
-ششش-
عندما استيقظ ، فتح "لوهان " عينيه ووجد نفسه في تلك الغرفة الغريبة مجدداً.
استغرق الأمر بضع ثوانٍ ليدرك أنه في عالمٍ آخر ، وأنه قد مات في عالمه السابق ، لكن مجرد قدرته على النهوض من على السرير بنفسه كان أمراً لا يصدق بالنسبة له.
أثناء نهوضه ، شعر "لوهان " أن هناك شيئاً غير معتاد.
"هل امتلاك جسدٍ وظيفي عمليٌ إلى هذا الحد ؟ "
أينما أراد الذهاب كان يذهب بكل سهولة ، وبضع خطوات كانت كفيلةً بإيصاله حيثما شاء ، والمفاجئ أن شعور الجوع الذي كان ينتابه قبل النوم كان قد خفَّ قليلاً أثناء نومه.
لم يرغب في تجربة الطعام المجفف في المنزل ، لكن بالتفكير في أسعار الطعام في الجامعة ، استسلم لقدره وقام بنقع عجينةٍ فاسدة كان مذاقها كالمعدن ، والتهمها بالكامل.
لحسن الحظ كانت وجبةٌ واحدة يكفى لإبقائه صامداً حتى عودته إلى المنزل.
لكن للأسف لم يكن يملك مالاً كافياً لشراء ماءٍ للاستحمام ، فلم يكن أمامه سوى استخدام بعض المناديل المبللة لتنظيف نفسه حيث دعت الحاجة.
أخفى "لوهان " خوذة "إليسيوم " تحت السرير ، ووضع أمامها عدة صناديق فارغة وملابس قديمة ، ثم غادر المنزل متوجهاً إلى الجامعة.