لقد شهد الجميع بأسَ إمبراطورية "هواشيا " وقوتها التي لا تُضاهى. ففي كل مرة تُفتح فيها مدينة كان يُناطُ أمرُ إدارتها إلى نُخبةٍ من العلماء ، مع حامية عسكرية مرابطة في أرجائها.
أما عن تنظيم القوات ، فكان يُخصص للمدينة الصغيرة حاميةٌ تتألف من جنديين من "مملكة الحياة والموت - مستوى الجسد " ومئة جندي من "مملكة تحطيم السماء " وعشرة آلاف جندي من "مملكة النيرفانا ". وفي المدينة المتوسطة ، ترابط حاميةٌ من أربعة جنود من "مملكة الحياة والموت - مستوى القوة " وخمسمائة جندي من "مملكة تحطيم السماء " وثلاثين ألف جندي من "مملكة النيرفانا ". بينما تُحرس المدينة الكبيرة بثمانية قادة فرق من "مملكة الحياة والموت - مستوى الروح " وألفي جندي من "مملكة تحطيم السماء " وسبعين ألف جندي من "مملكة النيرفانا ".
أما المدن العملاقة وبوابات الجبال ، كطائفة "ترويض الوحوش " فقد خُصص لها اثنا عشر قائداً رئيسياً من "مملكة الحياة والموت - مستوى القلب " وعشرة آلاف جندي من "مملكة تحطيم السماء " ومئة وخمسون ألف جندي من "مملكة النيرفانا ".
كان "لين تشيان " قد وضع هذه الترتيبات بدقةٍ منذ البداية. ورغم أن كثيرين ظنوا حينها أن موارد "لين تشيان " البشرية ستنفد سريعاً ، إذ كيف لإمبراطورية "هواشيا " أن تمتلك آلاف الجنود من "مملكة الحياة والموت " في أكثر من ألف مدينة صغيرة قرب البوابات الساحلية ؟ إلا أن الواقع جاء ليثبت أنهم يمتلكون ذلك بالفعل وبكل اقتدار!
في تلك اللحظة ، أصيب شيوخ وتلاميذ "الدولة الساحلية " و "طائفة ترويض الوحوش " بذهولٍ شديد ؛ فقد عجزوا عن إدراك مدى قوة الإمبراطورية التي خضعوا لها ، إذ كانت أضخم وأكثر رعباً مما تصوروا. وأمام هذا الجبروت المطلق ، تلاشت مشاعر التمرد التي ساورت بعض التلاميذ تماماً. ففي مواجهة هذا الكيان العظيم كان الإفناءُ مسألة دقائق معدودة. و لكن بمجرد خضوعك للإمبراطورية لتصبح رعيّةً فيها ، كنت تنال الاحترام وتتمتع بحماية الجيش الباسيل ، وتعيش في بيئة آمنة للعيش والاستزادة من القوة ؛ ومَن يرفض هذا إلا أحمق ؟
لقد كانت الأيام تحت حكم طائفة "شنغتيان " بائسةً ومفعمة بالاضطهاد ، فأين لهم أن يجدوا خيراً من هذا في ذلك الحين ؟ لذا جرت عملية إدارة أراضي طائفة "وانشيانغ " و "الدولة الساحلية " و "طائفة ترويض الوحوش " بسلاسة فائقة ودون أدنى مقاومة ، إذ لم تعد هناك حاجة لفض النزاعات بالقوة.
كان كل شيء يسير وفق الخطة. وفي قاعة المجلس ، راح الأعضاء القدامى من "الدولة الساحلية " و "طائفة ترويض الوحوش " مثل "هاي مينغيون " و "شين يونهاي " – اللذين باتا يعتبران نفسيهما رعية لـ "لين تشيان " – ينظرون إلى "تشين ووشوانغ " و "مي يوشيا " بشيءٍ من الفخر والزهو ، كأنهم يقولون "لقد ظفرنا بظهرٍ قويّ! ".
بل إن شخصيات مثل "هاي مينغيون " و "شين يونهاي " أصبحوا مسؤولين إقليميين عن مناطق الساحل وترويض الوحوش ، ومُنحوا صلاحيات معينة لتحريك جيش الإمبراطورية المرابط هناك. ورغم أن سلطتهم كانت محدودة ، بحيث لا يحق لهم تحريك جنود "مملكة الحياة والموت " إلا أنهم يملكون صلاحية قيادة ما يصل إلى مئة جندي من "مملكة تحطيم السماء " وخمسة آلاف جندي من "مملكة النيرفانا ".
وحسب "لين تشيان " فإنهم إذا أحسنوا الأداء وقدموا إسهامات جليلة للإمبراطورية ، فستزداد صلاحياتهم ؛ إذ قد يحصلون على تقنيات زراعة أرقى ، وجرعات مساعدة للنمو ، وغيرها من المزايا. وبالطبع ، تظل صلاحياتهم مقيدة بألا يعملوا ضد مصالح الإمبراطورية ، وهو أمرٌ بات مستحيلاً بفضل تأثير مهارة "هيبة الإمبراطور ".
بدأ الاجتماع ، وأفصح "لين تشيان " عن نيته الصريحة بحكم "الدولة الساحلية " بأكملها ، مع وعده بإهداء سلسلة جبال "الروح " وأراضي طائفة "شنغتيان " إلى طائفة "وانشيانغ " كما سيعيد أراضي طائفة "السيف الإلهي " لـ "مي يوشيا ". لكنه أوضح أن إمبراطورية "هواشيا " ستضم بقية أراضي "الدولة الساحلية " دون تردد ، بينما ستعقد تحالفاً مع طائفة "وانشيانغ " وطائفة "السيف الإلهي " ؛ ما دام أحفاد الطائفتين لا يهاجمون إمبراطورية "هواشيا " فلن تغزوهم الإمبراطورية أبداً.
عندما وصل "لين تشيان " إلى هذا الحد ، تبادل "تشين ووشوانغ " و "مي يوشيا " نظراتهما باستغراب ؛ فأي شجاعة هذه التي ستدفع أحداً لمهاجمة إمبراطورية كهذه ؟ إن القوة العسكرية للمدن الصغيرة وحدها كفيلة بمحو الطائفتين!
كما أعلن "لين تشيان " عن وضع "عشيرة البحر ذات الأذرع الثمانية " وعرض على طائفة "وانشيانغ " و "السيف الإلهي " تسهيل التواصل معهم إذا رغبوا في التحالف.
سأل "غاو بينلي " من منطقة طائفة "وانشيانغ " بدهشة "أيها الأخ الأصغر لم تُهاجم طائفة "شنغتيان " بعد ، وبدأت بالفعل في تقسيم "الدولة الساحلية " ؟ ". وما إن أنهى كلامه حتى صفع رأسه وقال "حسناً ، مع هذه القوة التي تمتلكها الآن ، يبدو محو "شنغتيان " أمراً هيناً كشربة ماء ".
رد "لين تشيان " مبتسماً "هي كذلك فعلاً ، سهلة للغاية. و لقد قبضنا في الأيام الأخيرة على الكثير من جواسيس "شنغتيان " وأرسلنا لهم معلومات مضللة ".
سأل "غاو بينلي " وهو يقضم قطعة من اليشم الصالح للأكل "إرسال معلومات مضللة ؟ هل هناك حاجة لذلك ؟ ألا تخشى أن يلوذوا بالفرار حين يدركون قوتك الحقيقية ؟ ".
أجابه "لين تشيان " بما تفاجأ "غاو بينلي " "بالضبط ، أنا أخشى حقاً أن يلوذ "يوان ووجي " و "تشانغ دينغيون " بالفرار خوفاً من قوة إمبراطوريتي ". ثم أشار إلى "تشاو وي " مستعرضاً أفعال "يوان ووجي ".
بعد استماعهم لحديث "لين تشيان " ارتسمت ملامح الغضب الشديد على وجوه الجميع في القاعة. و قال "غاو بينلي " -الذي كان وجهه مفعماً بالبشاشة- بلهجة جادة ساخطة "حقيرٌ دنيء! من كان يظن أن "يوان ووجي " بهذا الخُلق الوضيع ؟ ".
لقد أبكت مأساة "عشيرة البشر " في "دولة المنشأ " النساء في القاعة ، وهز "تشانغ تشي " من "عشيرة البحر " رأسه متنهداً بأسى. فـ "يوان ووجي " قد تجرد من ضميره حين خدع "عشيرة البشر " الأبرياء وسرق ثرواتهم المتوارثة وفر هارباً ، وهو فعلٌ يثير التقزز. وشعر "هاي مينغيون " وأهل المناطق الساحلية بظلمٍ شخصي ، إذ تسببت أفعال "شنغتيان " في تعرض عشائرهم للاضطهاد على يد "عشيرة سمك نصل العظم " الأجنبية حتى تمنوا لو هبوا فوراً لإبادة طائفة "شنغتيان ".
قال "لين تشيان " "لقد أرسلت سراً أشخاصاً لنصب مصفوفات مراقبة على طول حدود "الدولة الساحلية " ووضعت حراساً ومراقبين. بمجرد أن يحاول أحدهم الفرار ، سنعلم فوراً ونوقفهم. حيث يجب أن أضمن أن "يوان ووجي " و "تشانغ دينغيون " لن يستطيعا الهرب أو مغادرة "الدولة الساحلية " أبداً. فالخداع ، والتخلي عن الأهل ، والتواطؤ مع الأجناس الغريبة لقمع بني جلدتهم ، أمور لا تستحق وصف "ابن آدم ". الغلبة لمن ينتصر ، هذا صحيح ، ولكن للحروب أخلاقيات لا تُنتهك ".
حدق "لين تشيان " بحدة "قد أعفو عن التلاميذ والشيوخ العاديين في "شنغتيان " لكن "يوان ووجي " و "تشانغ دينغيون " ومن ارتكب الفظائع طواعيةً ضد أبناء جنسهم ، فمصيرهم الموت! ".
عمَّ صمت طويل قاعة المجلس بعد كلمات "لين تشيان " الحازمة. وفجأة ، ارتفع صوت مضغٍ أصبح أكثر وضوحاً ، مما دفع الجميع للنظر نحو المصدر. سأل "غاو بينلي " بإحراج لتغيير الموضوع "همم ؟ أوه ، لقد ذكرتَ أنك أرسلت معلومات مضللة ، فماذا كانت ؟ ".
رد "لين تشيان " "أوه ، المعلومات هي أن إمبراطورية "هواشيا " ليست إلا لعبةً ألهو بها ، وأنني الإمبراطور ، و "شينشين " هي الإمبراطورة ، وأنت الوزير ، و "لي تشيان " هو الجنرال ، وأن جيش الإمبراطورية ليس سوى تلاميذ طائفة "وانشيانغ " الخارجيين ".
ساد صمتٌ مطبق... كان بإمكان الجميع تخيل الحالة التي سيكون عليها "يوان ووجي " و "تشانغ دينغيون " عندما يكتشفون الحقيقة لحظة زحف إمبراطورية "هواشيا " عليهم.