في تلك اللحظة ، رنّ جرسٌ نحاسيٌ من بعيد ، فمزّق سكون الليل. أدى ذلك الصوت المفاجئ إلى تجمّد تعابير وجه "أوتشي اليانغان " تدريجياً. التفتت برأسها لتنظر ، فإذا بمحفةٍ تقترب ببطء من زاوية الشارع متجهةً نحوها.
أصبح نسيم الليل فجأةً لاذعاً ، ممتزجاً بصوت الجرس النحاسي المشؤوم الذي راح يتردد من كل جانب. بدا وكأن تلك الرياح تحمل في طياتها نيةً للقتل ، فبددت ضوء القمر الذي كان يبدو كالماء ، وهبت مباشرةً نحو الفتاة الواقفة عند البئر. ارتجفت "أوتشي اليانغان " وتملّكها شعورٌ لا يُفسر بالاضطراب في أعماق قلبها.
حدّقت في المحفة وهي تقترب دون حراك ، وقد ارتسم في عينيها يأسٌ عميق. حيث كانت تعلم أنها لا تستطيع تجنب العاصفة المحدقة بها ، ولم يكن أمامها سوى مواجهتها بشجاعة. ومع ذلك وأمام أخطارٍ وصعابٍ مجهولة ، تصاعد الخوف وشعور العجز في قلبها كالموج حتى كاد يغمرها ويخنق أنفاسها.
عضّت "أوتشي اليانغان " على شفتها السفلى بقوة ، محاولةً التماسك. حيث كانت تدرك أن أي ذعرٍ أو خوف في هذه اللحظة قد يلقي بها في وضعٍ أكثر خطورة. ثم أخذت نفساً عميقاً ، ونهضت ببطء ، مستعدةً لملاقاة هذا التحدي المفاجئ. مهما كثرت الصعاب والعقبات التي تعترض طريقها ، فعليها أن تواجهها بشجاعة من أجل نفسها ومن أجل "لو تشين ".
قال "باي ووتشانغ " بابتسامةٍ بدت فيها دهاءٌ خفي ، وكأنه يضمر شيئاً آخر في نفسه "لا أجرؤ على ذلك فمع أن الآنسة السابعة هي سيدتنا إلا أن الإمبراطورة الأرملة قد أمرت بضرورة العثور على الآنسة السابعة وإعادتها إلى القصر بسلام ". وبينما كان يتحدث ، أشار بعينيه إلى "هي ووتشانغ " ملمحاً إليه بأن يدعمه في الحديث ، لكن "هي ووتشانغ " تظاهر بأنه لم يسمع شيئاً ، وظل واقفاً باستقامةٍ دون أي تعبير ، ولا نية له في المساعدة.
مضغت "أوتشي اليانغان " كلمات "السيدتنا " بروية ، وشعرت بموجةٍ من المشاعر المبهمة. رفعت رأسها ، وكانت نظراتها كالنار المتقدة وهي ترمق "هي ووتشانغ " ثم قالت بنبرةٍ ساخرة "أصبحتُ سيدتكم بهذه السرعة ؟ حسناً ، يا هي ووتشانغ ، عند عودتي إلى القصر ، ما الذي سيقرره كبير العائلة ؟ ".
عند سماع ذلك بدا التردد على وجه "هي ووتشانغ ". صمت لبرهةٍ قبل أن ينظر إلى "أوتشي اليانغان " بنظراتٍ تحمل تعابير معقدة ، ثم قال بصوتٍ منخفض "أبلغ... أبلغ الآنسة لم تظهر الإمبراطورة الأرملة بنفسها ، بل أمرت بترك الأمر لكبير العائلة. وكبير العائلة... هو في حالة غضبٍ شديد ، ويقول إنه يريد تجريد الآنسة من جميع مهامها ، وحبسها داخل القصر حتى يحين موعد زفافها بعد ثلاث سنوات إلى العائلة الإمبراطورية 'كوانغ ' ".
وما إن انقضت كلماته حتى خيم الصمت على "أوتشي اليانغان ". كان قلبها يعجُّ بالعواصف ، لكن ملامحها ظلت هادئة. حيث كانت تدرك أن قرارها في هذه اللحظة سيحدد مصيرها المستقبلي.
وفى الجوار ، وقف حاملو المحفة الستة يترقبون قرارها بقلق. ومع أنهم مجرد خدم إلا أنهم لم يجرؤوا على التهاون في هذا الأمر. و شعر "هي ووتشانغ " بالأسى ، فهو يعلم موهبة "أوتشي اليانغان " وقدراتها ، ويدرك مكانتها وتأثيرها داخل العائلة ، ومع ذلك انتهى بها المطاف إلى هذا الحال. و في حين بدا "باي ووتشانغ " راضياً ، وكأنه توقع هذه النتيجة وكان مسروراً بها للغاية.
شبك "باي ووتشانغ " يديه وقال بهدوء "آمل أن تتخذ الآنسة قراراً سريعاً. فحتى لو لم تعودي معنا الآن ، فقد انكشفت هويتك ، وسيعثرون عليك عاجلاً أم آجلاً. وعلاوة على ذلك... إذا اكتشف كبير العائلة الأمر بينك وبين ذلك الفتى... ". حملت كلماته نبرة تهديد ، وكأنه يحاول إجبارها على اتخاذ قرار.
لكن قبل أن ينهي كلامه ، انطلقت "أوتشي اليانغان " في الضحك. حيث كان ضحكها صافياً وعذباً ، لكنه حمل في طياته لمسةً من الجليد ، مما أثار الرعب في نفس "باي ووتشانغ ". نظرت إليه "أوتشي اليانغان " بمرحٍ ، وبدا على وجهها شيءٌ من الازدراء ، وقالت بلامبالاة "انسَ الأمر ، لنعد إلى القصر ". ثم خطت خطوةً للأمام ، وكأنها قد حسمت أمرها.
تبادل "باي ووتشانغ " و "هي ووتشانغ " النظرات ، وقد اعتلى كلاً منهما الذهول والحيرة. لم يتوقعا أن تقرر "أوتشي اليانغان " بهذه السهولة ، ولا أن يكون رد فعلها بتلك البرودة. ومع ذلك علما أن هذا ليس الوقت المناسب للاستفسار أو التشكيك ، فتبعاها بصمت عائدين إلى القصر.
رفع "باي ووتشانغ " ستارة المحفة بعناية ، استعداداً لدعوة "أوتشي اليانغان " للدخول. و لكن في تلك اللحظة ، لمح بطرف عينه ظلاً أبيض متلألئاً ينساب كأفعى روحية ، يتحرك بسرعةٍ تشبه إعصاراً عابراً. ذعر وشعر بأن أمراً ما ليس على ما يرام ؛ وما إن أراد رفع رأسه للتحقق حتى كان ذلك الظل أمامه مباشرةً.
ذهل "باي ووتشانغ " ورفع عينيه ليلتقي بنظرات "أوتشي اليانغان " الباردة كالصقيع. وبدا أن نية الفتك التي تلمع في عينيها قادرة على تجميد كل ما فى الجوار.