الفصل 367: بيان أندرلخت الثاني
عزز الفوز الساحق على أندرلخت موقع دورتموند في صدارة مجموعته بدوري أبطال أوروبا. مباراتان، فوزان، خمسة أهداف مسجلة، هدف واحد مُستقبل. كانت بداية مثالية، ووجهت رسالة واضحة لمنافسيهم: بوروسيا دورتموند فريق يُخشى جانبه.
عزز هذا الأداء مكانة ماتيو كواحد من ألمع المواهب الشابة في عالم كرة القدم. كانت مباراته الرائعة ضد أندرلخت حديث أوروبا. تمريرة بالكعب، هدف مذهل من مسافة بعيدة، تفاهم تام مع زملائه - كان أداءً متكاملاً، عرضاً لقدراته الاستثنائية.
بلغت الضجة ذروتها، لكن ماتيو، كعادته، ظل متواضعاً. كان يعلم أن الإطراء زائل، وأن العناوين الرئيسية مؤقتة. ما يهم هو العمل، والتفاني، والسعي الدؤوب نحو التطور. فلم يكن مهتماً بأن يكون نجماً، بل كان مهتماً بأن يكون فائزاً. "المدح لا يغني من الجوع" كما يقول المثل.
وجد ملاذه في روتين السكن الجامعي المألوف، وفي رفقة لوكاس الهادئة، وفي حياة طبيعية بعيداً عن الملعب. ما زال عليه أداء واجباته المدرسية، وتنظيف غرفته، والتعامل مع ذوق لوكاس الموسيقي السيئ. هذا الواقع الراسخ أبقاه متواضعاً، ومركزاً، ومتزناً. "من تواضع الله رفعه" كما تعلمنا.
---
بينما كانوا يستعدون لمباراتهم القادمة في الدوري الألماني، وهي مباراة على أرضهم ضد هامبورغ، ساد الفريق شعورٌ بالثقة الهادئة. كانوا في حالة انسجامٍ تام، يلعبون بثقةٍ عالية وإيمانٍ مُعدٍ. كانوا في قمة أدائهم، ويستمتعون بكل لحظةٍ من ذلك.
لكن كلوب كان حذراً من التراخي. كان يعلم أن هامبورغ، رغم مركزها المتدني في الدوري، ستكون خصماً عنيداً. لقد كانوا فريقاً يكافح من أجل البقاء، فريقاً يتوق بشدة لتحقيق مفاجأة. لذا حذر لاعبيه من الاستهانة بهم. "احذر عدوك ولو كان صغيراً".
"يجب أن نكون محترفين" هكذا صرّح في المؤتمر الصحفي قبل المباراة. "يجب أن نكون مركزين. يجب أن نكون حاسمين. يجب أن نتعامل مع هذه المباراة بنفس الاحترام والجدية التي تعاملنا بها مع مباراة دوري أبطال أوروبا. لا توجد مباريات سهلة في الدوري الألماني."
كان ماتيو، الذي استوعب الدرس في أوغسبورغ، يعلم أن كلوب كان محقاً. فلم يكن بوسعهم التهاون. كان عليهم تقديم أفضل ما لديهم في كل مباراة. الدوري الألماني أشبه بماراثون، وليس سباق سرعة، وكل نقطة ثمينة. "خطوة بخطوة تصل إلى القمة".
---
بدأ دورتموند مباراته ضد هامبورغ بدايةً موفقة. سيطروا على مجريات اللعب منذ صافرة البداية، وكانت تمريراتهم دقيقة وتحركاتهم حاسمة. وفي الدقيقة 28، صنع ماتيو الهدف الأول. استلم الكرة في وسط الملعب، وانطلق بها للأمام، ثم مرر كرة بينية رائعة إلى أوباميانغ الذي سددها بدقة متناهية في الشباك. 1-0.
بدا الأمر وكأنه سيكون فوزاً مريحاً آخر لدورتموند. ولكن في الدقيقة 55، وقعت الكارثة.
كان ماتيو، الذي استلم الكرة في وسط الملعب، ضحية تدخل عنيف ومتهور من الخلف. وسقط أرضاً، وأطلق صرخة ألم. خيّم الصمت على الملعب، وكتم المشجعون أنفاسهم. هرع الفريق الطبي إلى أرض الملعب، ووجوههم عابسة.
استلقى ماتيو على العشب، ووجهه متورد من شدة الألم. وأدرك فوراً أنها إصابة خطيرة. وشعر بألم حاد وحارق في كاحله، وطقطقة مروعة أرسلت موجة من الخوف في جميع أنحاء جسده.
قام الدكتور مولر، طبيب الفريق، بفحصه بدقة. ثم قام بتحريك كاحله، وتحقق من وجود تورم، وسأل ماتيو عن موضع الألم. وبعد لحظات من التوتر، اتخذ القرار: ماتيو لا يستطيع الاستمرار، وكان لا بد من استبداله.
كان ماتيو محطماً. حاول أن يجادل، أن يتوسل، أن يقنعهم بأنه بخير. ولكنه أدرك أن لا جدوى. كان الألم شديداً، والخطر جسيماً. ساعدوه على الوقوف، وبينما كان يعرج خارج الملعب، وقف الجمهور وصفق له بحرارة. كانت تلك لفتة دعم وتقدير، وتعبيراً عن خوفهم المشترك على نجمهم الشاب. "في الشدة تعرف قيمة المودة".
دخل لوكاس، الذي كان يُجري تمارين الإحماء على خط التماس، ليحل محله. ألقى نظرة سريعة قلقة على صديقه وهما يمران بجانب بعضهما. أومأ ماتيو برأسه فقط، وعلى وجهه نظرة قاتمة. كان يعلم أن صديقه سيبذل قصارى جهده، وأن الفريق سيكون في أيدٍ أمينة. ولكن ذلك لم يُخفف من وطأة الأمر عليه.
---
بينما كان يجلس على مقاعد البدلاء، وكاحله مغطى بالثلج، تابع ما تبقى من المباراة بشعور من العجز. كان مجرد متفرج، عاجزاً عن التأثير في مجريات اللعب، وغير قادر على مساعدة فريقه. كان شعوراً يكرهه، شعوراً لم يختبره منذ إصابته الأخيرة.
عانى دورتموند، في غياب شرارته الإبداعية، للحفاظ على هيمنته. صحيح أنهم ظلوا الفريق الأفضل، لكنهم افتقروا إلى الحسم والإبداع واللحظة السحرية التي كانت ماتيو يقدمها في كثير من الأحيان. تمكنوا من تسجيل هدف ثانٍ، بجهد متواضع من ركلة ثابتة، لكنه كان أداءً بعيداً كل البعد عن الإقناع.
فازوا بالمباراة بنتيجة 2-0، لكنّ النصر كان باهتاً. طغى الخوف من إصابة ماتيو على فرحة النقاط الثلاث. اللاعبون، والجماهير، ووسائل الإعلام - الجميع كان ينتظر الأخبار، والتحديثات، والتشخيص. "بعد الضيق يأتي الفرج".
---
𝓫𝓸.𝓸𝓶
بعد المباراة، نُقل ماتيو إلى المستشفى لإجراء أشعة سينية. كان انتظار النتائج عذاباً شديداً. جلس في غرفة الانتظار الباردة والمعقمة، وعقله يعجّ بأفكار لا حصر لها. ماذا لو كان كسراً؟ ماذا لو غاب عن الملاعب لأشهر؟ ماذا لو انتهى موسمه؟
إيزابيلا، التي هرعت إلى المستشفى فور سماعها الخبر، جلست بجانبه ممسكةً بيده، وكان وجودها مصدر راحة صامتة. كان لوكاس هناك أيضاً، ووجهه يعكس قلقاً عميقاً. لم يتحدثا كثيراً. فلم يكن هناك ما يُقال. وانتظرا فقط.
وأخيراً، خرج الدكتور مولر من عيادة الطبيب، وفي يده ملف. كانت ملامحه جادة، فشعر ماتيو بالخوف. وحانت اللحظة الحاسمة.
"حسناً يا ماتيو" بدأ الطبيب حديثه بصوت جاد. "لدي نتائج الأشعة السينية الخاصة بك."
توقف للحظة، لحظة بدت وكأنها تمتد إلى الأبد. ثم ارتسمت ابتسامة خفيفة على وجهه الجاد.
"إنها ليست كسراً. إنها مجرد التواء. التواء سيء، لكنه مجرد التواء. ستغيب عن الملاعب لبضعة أسابيع، ربما ثلاثة أسابيع على الأكثر. ولكنك ستعود. ستعود أقوى من أي وقت مضى."
شعر ماتيو بموجة من الارتياح تغمره كانت قوية لدرجة أنها كادت تُسقطه أرضاً. لم يكن الخبر الأفضل، لكنه لم يكن الأسوأ أيضاً. سيغيب عن بعض المباريات، لكن موسمه لم ينتهِ. سيعود. "كل تأخير فيه خير".
بينما كان يغادر المستشفى، متكئاً على لوكاس طلباً للدعم، انتابته مشاعر متضاربة. وشعر بالإحباط وخيبة الأمل، ولكنه كان ممتناً أيضاً. ممتناً لأن الأمر لم يكن أكثر خطورة. ممتناً لأنه سيحظى بفرصة أخرى لممارسة اللعبة التي يعشقها. ممتناً للأصدقاء الذين كانوا بجانبه، والذين سيساعدونه على تجاوز الأسابيع الصعبة المقبلة.
كانت الإصابة بمثابة انتكاسة، واختباراً لشخصيته، وتذكيراً بهشاشة مسيرته المهنية. ولكن بينما كان يتطلع إلى طريق إعادة التأهيل الطويل كان يعلم أنه لن يسلكه بمفرده. وهذا ما صنع الفارق. "الوحدة سلاح ذو حدين".