Switch Mode

السيمفونية الصامتة 335

التحول الأول


الفصل 335: التحول الأول

استمرت الجولة، ومع كل غرفة، شعر ماتيو بقلبه يفيض بمزيج من الفخر والامتنان والمشاعر الجياشة. فلم يكن دون كارلوس يُريه مجرد تجديدات، بل كان يُريه المستقبل. حيث كان يُريه الأمل مُجسّداً، والأحلام مُحققة.

كانت المحطة التالية المكتبة. أمضى ماتيو ساعات لا تُحصى في المكتبة القديمة في طفولته، غرفة صغيرة ضيقة مليئة بالكتب القديمة والأثاث المتهالك. وكانت ملاذه، مكاناً يهرب فيه من ضجيج وفوضى دار الأيتام، حيث يغرق في قصص المغامرات والأبطال وعوالم تتجاوز عالمه بكثير.

لكن المكتبة القديمة اختفت. وحلّت محلها غرفة مشرقة وواسعة بدت وكأنها من عالم الأحلام.

كانت الجدران مبطنة بأرفف كتب تمتد من الأرض إلى السقف، وكل رف منها مليء بالكتب الجديدة - روايات، كتب غير روائية، كتب مدرسية، روايات مصورة، كتب باللغات الإسبانية والكاتالونية والإنجليزية، وحتى بعض الكتب بلغات أخرى.

كانت هناك زوايا قراءة مريحة مزودة بوسائد فاخرة وإضاءة خافتة. وكما كانت هناك طاولات للدراسة مزودة بمصابيح ومحطات شحن. وفي الزاوية كان هناك مسرح صغير، مثالي لجلسات سرد القصص أو العروض التقديمية.

"أردنا أن نخلق مساحة لا يقتصر فيها الأمر على قراءة الأطفال فحسب، بل أن يقعوا في حب القراءة"، أوضح دون كارلوس بصوت هادئ مليء بالخشوع. "مكان يمكنهم فيه أن يحلموا، وأن يتخيلوا، وأن يؤمنوا بأن كل شيء ممكن".

سار ماتيو ببطء عبر المكتبة، وأصابعه تلامس أغلفة الكتب. رأى أطفالاً منكبين على أنفسهم في زوايا القراءة، ووجوههم غارقة في الكتب، وتعابير وجوههم مزيج من التركيز والفرح.

رأى مجموعة من المراهقين يدرسون معاً على إحدى الطاولات، دفاترهم مفتوحة، وعقولهم منشغلة. ورأى صبياً صغيراً، لا يتجاوز عمره ست سنوات، يجلس على الأرض، وعيناه متسعتان وهو ينظر إلى كتاب مصور عن الفضاء.

لم تكن هذه مجرد مكتبة، بل كانت بوابةً إلى إمكانيات لا حصر لها. حيث كان هذا وعداً بأن لا أحد في دار الأيتام سيُقيّد بظروفه، وأنهم سيتمتعون بنفس المعرفة، ونفس القصص، ونفس الأحلام التي يتمتع بها أي طفل آخر في العالم.

انحنت إيزابيلا التي كانت تراقب بهدوء، بالقرب من ماتيو وهمست قائلة: "هذا جميل. لقد منحتهم العالم كله".

هز ماتيو رأسه، وحرك يديه في تصحيح لطيف.

"دون كارلوس منحهم العالم. وأنا فقط وفرت لهم الموارد".

لكن إيزابيلا ابتسمت، وعيناها تفيضان بحكمةٍ عميقة. "لقد منحتهم الأمل يا ماتيو. وهذا أثمن من أي مبلغ من المال".

استمرت الجولة. قادهم دون كارلوس إلى المطبخ الذي تم تجديده بالكامل.

تحوّل المطبخ القديم الضيق، بأجهزته البالية وأسطحه المتشققة، إلى مطبخ عصريّ بمواصفات احترافية. زُوّد بمواقد وأفران وثلاجات جديدة، وأسطح عمل واسعة مثالية لتحضير الطعام، بالإضافة إلى أدوات ومؤن تكفي لتعليم الأطفال فنون الطبخ الصحيحة.

"لقد بدأنا برنامجاً للطبخ"، أوضح دون كارلوس وعيناه تلمعان حماساً. "يتعلم الأطفال كيفية إعداد وجبات صحية ومغذية. ويتعلمون عن التغذية، وعن إدارة الميزانية، وعن أهمية تناول الطعام الجيد. ويتعلمون مهارة حياتية ستفيدهم طوال حياتهم".

راقب ماتيو مجموعة من المراهقين وهم يعملون معاً لإعداد الغداء، حركاتهم متناسقة ووجوههم مركزة. كانت إحدى الفتيات تقطع الخضار بسهولة متمرسة. وكان فتى يقلب قدراً من الحساء، تعابيره جادة وهو يتذوقه ويضبط التوابل. وكانت فتاة أخرى تُعدّ المائدة، حركاتها رشيقة وفعّالة.

لم يكن هذا مجرد مطبخ. بل كان فصلاً دراسياً، وميداناً للتدريب، ومكاناً يتعلم فيه الأطفال الاستقلالية والمسؤولية ومتعة صنع شيء بأيديهم.

ثم قاموا بزيارة الاستوديو الفني.

كان هذا تأثير ميغيل، كما أوضح دون كارلوس. فبعد أن رأى شغف ميغيل بالفن، وبعد أن شاهده يرسم ويلون ويبدع، أدرك دون كارلوس أن العديد من الأطفال في دار الأيتام يمتلكون مواهب إبداعية مماثلة لم تُستغل.

كان مرسم الفنون مساحةً مشرقةً وواسعةً مليئةً بالحوامل واللوحات والألوان والفرش وجميع اللوازم التي قد يحتاجها فنانٌ ناشئ. كانت هناك عجلة فخار في الزاوية، وفرن لحرق الخزف، وجدار مخصص لعرض أعمال الأطفال الفنية.

قال دون كارلوس بنبرةٍ متأملة: "الفن ليس مجرد رسم صور جميلة، بل هو تعبير، ومعالجة للمشاعر، وإيجاد الجمال في عالمٍ قد يكون قاسياً وغير متسامح. وبالنسبة للعديد من أطفالنا، يُعدّ الفن علاجاً، ووسيلة للشفاء، والنمو، والاكتمال".

رأى ماتيو الفتاة الصغيرة ترسم منظراً طبيعياً نابضاً بالحياة ومليئاً بالألوان، وجهها هادئ ومركز. ورأى صبياً ينحت الطين، تتحرك يداه بدقة ولطف. ورأى مراهقة تعمل على جدارية كبيرة، تعبيرها قوي وعازم، فنها تعبير قوي عن الهوية والصمود.

كان هذا أكثر من مجرد مرسم فني. لقد كان ملاذاً للروح، مكاناً يمكن فيه تحويل الألم إلى جمال، حيث يمكن معالجة الصدمات من خلال اللون والشكل.

لكن المحطة الأخيرة في الجولة هي التي أذهلت ماتيو حقاً. اصطحبهم دون كارلوس إلى الخارج، إلى الجزء الخلفي من العقار، حيث كانت تلك البقعة القديمة المتشققة من التراب والخرسانة تُستخدم سابقاً كملعب للأطفال. أمضى ماتيو ساعات لا تُحصى على تلك البقعة، يركل كرة قدم مهترئة، يحلم بالمناطق والمجد، وقدماه تنزفان، وقلبه يفيض بأمل يائس ومتشوق.

لكن رقعة التراب اختفت. وحلّت محلها ساحة لعب كرة قدم حقيقية. لم تكن كبيرة - فدار الأيتام لم تكن تملك مساحة تكفي لملعب كامل الحجم - لكنها كانت مثالية. كان العشب أخضراً وارفاً، والخطوط بيضاء ناصعة، وكان هناك مرميان حقيقيان في كل طرف. حتى أنه تم تركيب أضواء حول محيطها، ليتمكن الأطفال من اللعب في المساء.



تعليق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Ads Blocker Image Powered by Code Help Pro

اكتشفنا مانع اعلانات

من فضلك اغلق مانع الاعلانات

الاعدادات

لا يعمل مع الوضع المظلم
اعادة ضبط