الفصل 331: المغامرة الإيطالية الجزء الثالث - الجزء الثاني
كانت رحلة القطار من فلورنسا إلى نابولي رحلةً ساحرةً بين المناظر الطبيعية المشمسة والضحكات. كان الجميع في غاية السعادة، وبطونهم ممتلئة بالمعكرونة، وقلوبهم تغمرها الفرحة. كانت رحلة روحية، رحلة مقدسة إلى مهد البيتزا. ولم يخيب أملهم.
كانت نابولي مدينة التناقضات، فوضوية وجميلة، قاسية وأنيقة، عريقة وحديثة. زاروا مطعم بيتزا أسطوريًا، مكانًا صغيرًا متواضعًا يصنع البيتزا منذ أكثر من مئة عام.
راقبوا صانع البيتزا، وهو خبيرٌ في مهنته، وهو يمد العجين، ويوزع الصلصة، وينثر الجبن بمهارةٍ فائقةٍ تكاد تكون ساحرة. وعندما وصلت البيتزا، ساخنةً وشهيةً من فرن الحطب، كانت بمثابة اكتشافٍ مذهل.
كانت العجينة رقيقة ومقرمشة، والصلصة حلوة وحامضة، والجبن طازجاً ودسماً. كانت بلا شك أفضل بيتزا تذوقوها على الإطلاق.
أمضوا الأيام القليلة التالية في استكشاف المدينة، وزيارة المتحف الأثري الوطني، والتجول في الشوارع الضيقة للحي الإسباني، والقيام برحلة ليوم واحد إلى بومبي.
كانت المدينة القديمة التي تجمدت في الزمن بفعل ثوران جبل فيزوف، بمثابة تذكير مؤلم بهشاشة الحياة، وبزوال الدنيا.
وبينما كانوا يسيرون في الشوارع الصامتة، مارّين ببقايا المنازل والمتاجر والمعابد التي بدت كأنها أشباح، غمرهم شعور بالرهبة والخشوع. كانوا يسيرون على خطى التاريخ، وكانت تجربة مؤثرة للغاية.
كانت محطتهم الأخيرة ساحل أمالفي. كان الطريق المتعرج على جانب الجرف مغامرة مثيرة، لكن المناظر كانت تستحق العناء. المياه الفيروزية، والقرى الملونة المتشبثة بالجرف، ورائحة بساتين الليمون وملح البحر... لقد كانت جنة على الأرض.
قضوا أيامهم يسبحون في المياه الصافية، ويركبون القوارب إلى الخلجان الخفية، ويستمتعون بأشعة الشمس. لقد كانت جنة مثالية غارقة في أشعة الشمس، عالمًا بعيدًا عن ضغوط كرة القدم، وامتحانات الجامعة، وضغوط الحياة. لبضعة أيام ثمينة كانوا مجرد مجموعة من الأصدقاء، يستمتعون بملذات الحياة البسيطة.
في ليلتهم الأخيرة، تناولوا العشاء في مطعم يُطل على البحر. كانت السماء مُلوّنة بألوان زاهية من الوردي والبرتقالي، والماء يتلألأ في ضوء الغروب الخافت. كانت لحظة جمالٍ مُطلق، ولحظة سلامٍ تام.
وبينما كانوا يتناولون الطعام، تحدثوا عن الصيف، وعن المستقبل، وعن التغييرات القادمة.
اعترفت إيلينا، التي كانت واثقة ومتزنة طوال الرحلة، بأنها كانت مرعوبة من مغادرة كاسا دي لوس نينوس، ومن بدء حياة جديدة في الجامعة.
اعترف بابلو، الذي كان روح الحفل، بأنه كان خائفاً من الفشل، ومن عدم الارتقاء إلى مستوى توقعاته الخاصة.
وميغيل، الذي تأثر جدًا بفن وجمال إيطاليا، شارك مخاوفه من أنه لن يكون جيداً بما فيه الكفاية، وأن أحلامه في أن يصبح فنانًا لم تكن سوى مجرد أوهام.
شعر ماتيو، وهو يستمع إلى أصدقائه وعائلته، بموجة من الحب والحماية. لقد كان غارقاً في مخاوفه ومعاناته حتى أنه نسي أن لديهم معاركهم الخاصة التي يخوضونها. مدّ يده وأمسك بأيديهم، بوجه جاد، وعيناه تفيضان بإيمان راسخ لا يتزعزع بهم.
وقع ببطء وتأنٍ، وتحركت يداه برشاقة وثقة كانت دليلاً على المدى الذي وصل إليه.
"أنتم أقوى وأشجع وأكثر الناس موهبة الذين أعرفهم. ويمكنكم فعل أي شيء تصممون عليه. وسأكون دائمًا هنا من أجلكم، مهما حدث."
نظرت إليه إيلينا وبابلو وميغيل، وعيونهم تلمع بالدموع. لطالما كانوا هم من يحمونه ويرعونه. أما الآن، فهو من يحميهم، وهو من يذكّرهم بقوتهم وقيمتهم.
عقدوا عهداً في تلك الليلة، وعداً بالاجتماع كل صيف، مهما فرّقتهم الحياة. كانوا عائلة، ولن يغير ذلك شيء.
مع غروب الشمس خلف الأفق، تاركةً وهجاً ذهبياً على الماء، شعر ماتيو براحة تغمره. كان صيف الفرص يوشك على الانتهاء، لكن الروابط التي نسجوها والذكريات التي صنعوها ستدوم مدى العمر. كان المستقبل غامضاً، لكن طالما كان هؤلاء الأشخاص بجانبه كان يعلم أنه قادر على مواجهة أي شيء.
انتهت المغامرة الإيطالية. ولكن الرحلة كانت قد بدأت للتو.
لم تكن البيتزا في نابولي مجرد طعام، بل كانت تجربة. تناولوا الطعام في مطعم بيتزا صغير مزدحم في قلب المدينة، وهو مكان يقدم نفس البيتزا المثالية منذ أجيال.
كان الهواء يفوح برائحة دخان الخشب والثوم والجبن الذائب. أما الصوت فكان سيمفونية صاخبة من صياح طهاة البيتزا، وارتطام الأطباق، ورواد المطعم السعداء الصاخبين. والبيتزا... كانت تحفة فنية.
كانت العجينة رقيقة ومطاطية، مع لمسة خفيفة من التحميص من فرن الحطب. أما الصلصة فكانت مصنوعة من طماطم سان مارزانو الحلوة الناضجة تحت أشعة الشمس. وكانت جبنة الموزاريلا طازجة ودسمة، تذوب في الفم. كانت بسيطة، مثالية، وطعمها كطعم الجنة.
أمضوا الأيام القليلة التالية في حالة من النشوة الناتجة عن تناول الكربوهيدرات. تناولوا البيتزا على الإفطار والغداء والعشاء.
تناقشوا حول مزايا بيتزا مارغريتا مقابل بيتزا مارينارا. وتعرفوا على تاريخ البيتزا، وعلى القواعد الصارمة التي تحكم صنع بيتزا نابولية أصيلة. وخلصوا إلى أنه لا يوجد شيء اسمه بيتزا زائدة.
انطلقوا من نابولي على متن عبّارة إلى جزيرة كابري، وهي جزيرة رائعة كانت بمثابة ملعب للأباطرة الرومان ونجوم هوليوود.
قاموا بجولة بالقارب حول الجزيرة، وانبهروا بالمنحدرات الشاهقة والكهوف الخفية والمياه الفيروزية المتلألئة.