Switch Mode

السيمفونية الصامتة 318

سيرك الإعلام 2


الفصل 318: السيرك الإعلامي 2

في وقت لاحق من ذلك اليوم، رتب الفريق الإعلامي للنادي مؤتمراً صحفياً. جلس ماتيو، برفقة كلوب وكيله، على طاولة طويلة أمام قاعة مكتظة بالصحفيين من مختلف أنحاء العالم. أضاءت الكاميرات، ودُفعت الميكروفونات إلى الأمام، وتوالت الأسئلة بسرعة وبشكل مكثف.

"ماتيو، ما هو شعورك بعد أن وُصفت بأنك أفضل صفقة في الموسم؟"

"ماتيو، هل تشعر بأنك قد انتصرت بعد أن تم الاستغناء عنك من قبل برشلونة؟"

"ماتيو، ماذا تقول للناس الذين شككوا فيك؟"

قامت سارة التي كانت تترجم له، بنقل الأسئلة، وأجاب ماتيو عليها بهدوء واتزان يتناقض مع عمره البالغ ستة عشر عاماً.

شكر النادي والجماهير وزملاءه في الفريق. وأثنى على كلوب لإيمانه به. وتحدث عن أهمية العمل الجاد والمثابرة. حيث كان متواضعاً ولطيفاً وصادقاً.

لكن في داخله كان يصرخ.

أراد أن يخبرهم أنه لم يكن "أفضل صفقة في الموسم". لقد كان إنساناً. أراد أن يخبرهم أنه لم يشعر بأنه قد بُرئ، بل شعر بالتعب. أراد أن يخبرهم أن الأشخاص الذين شككوا فيه قد تركوا ندوباً لن تندمل أبداً.

لكنه لم يفعل. ابتسم، ووقّع، ولعب دور البطل المتواضع الممتن. لأن هذا ما أرادوه، وهذا ما توقعوه. وكان منهكاً للغاية، ومثقلاً بالهموم، لدرجة أنه لم يستطع المقاومة.

بعد المؤتمر الصحفي، استدعاه كلوب جانباً. المدرب الذي يتمتع بفطنة كبيرة، لاحظ التوتر على وجه الصبي. سأله بصوت خفيض وقلق: "هل أنت بخير؟"

تردد ماتيو، ثم أومأ برأسه.

"إنه كثير."

قال كلوب وهو يومئ برأسه: "أعلم. الإعلام قد يكون قاسياً. يرفعون من شأنك، ويهدمونك، ويعاملونك كسلعة لا كإنسان. ولكن عليك أن تتذكر: إنهم لا يعرفونك. لا يعرفون قصتك، ولا معاناتك، ولا جوهرك. إنهم لا يرون إلا ما يرونه على أرض الملعب. وما يرونه هو البطل. لا تدعهم ينتزعون ذلك منك."

توقف للحظة، وتلاقت عيناه بعيني ماتيو. "أنت لست مجرد عنوان رئيسي. أنت لست مجرد وسم. أنت ماتيو ألفاريز. وأنت أكثر بكثير مما سيدركونه على الإطلاق."

في ذلك المساء، عاد ماتيو إلى غرفته، وجلس بجوار النافذة يراقب غروب الشمس فوق المدينة. حيث كان هاتفه صامتاً، ووجهه لأسفل على المكتب. ولقد سئم من ضجيج الإعلام، والعناوين المتكررة، والضجيج الذي لا ينتهي. حيث كان بحاجة إلى الهدوء، إلى مساحة، إلى أن يتذكر من هو.

فكّر في أمه، في المرأة التي أحبّته حباً لا مشروطاً، والتي آمنت به حين لم يؤمن به أحد. فكّر في دون كارلوس، في الرجل العجوز الذي علّمه أن القوة الحقيقية تنبع من الداخل. فكّر في إيزابيلا، في المرأة التي أحبّته لا لما حقّقه، بل لما هو عليه.

وفكر في الأطفال في دار الأيتام، وفي وجوههم البريئة والمحبة، وفي الطريقة التي كانوا ينظرون بها إليه ليس كنجم، بل كصديق.

هؤلاء هم الأشخاص المهمون. هؤلاء هم الأشخاص الذين عرفوا قصته، والذين فهموا قلبه، والذين رأوه كأكثر من مجرد عنوان رئيسي.

كان بإمكان وسائل الإعلام أن تقول ما تشاء. حيث كان بإمكان العالم أن يختزله إلى مجرد قصة، حكاية خرافية، عبرة عن من أفلتت منه. ولكنه كان يعلم الحقيقة. حيث كان يعلم الثمن، ويعلم الرحلة.

وفي النهاية، كان هذا هو كل ما يهم.

كان ماتيو ألفاريز. حيث كان البطل. وكان أكثر بكثير مما سيدركونه.

في وقت لاحق من تلك الليلة لم يستطع ماتيو النوم، فوجد نفسه يتصفح مواقع التواصل الاجتماعي مجدداً، رغم تحذير لوكاس. ولكن هذه المرة، غامر بالدخول إلى زوايا الإنترنت الأكثر عمقاً، إلى المنتديات وصفحات المعجبين حيث تدور النقاشات الحقيقية، وحيث الآراء الحادة أكثر حدةً والتعليقات أكثر صراحةً.

وجد موضوعاً على موقع ريديت بعنوان:

"ماتيو ألفاريز: موهبة استثنائية أم مجرد لاعب آلي؟" كان النقاش محتدماً، حيث تبادلت مئات التعليقات الآراء. أشاد البعض برؤيته، وتقنيته، وذكائه الكروي. بينما زعم آخرون أن نجاحه يعود فقط إلى نظام كلوب، وجودة زملائه، والمساحة التي يتيحها أسلوب اللعب الهجومي في الدوري الألماني.

لفت انتباهه تعليق واحد على وجه الخصوص:

"لنرى كيف سيكون أداؤه في الموسم المقبل عندما تكتشف الفرق أسلوبه. موسم واحد جيد لا يصنع أسطورة. دعونا لا ننسى أن برشلونة، أحد أفضل أكاديميات كرة القدم في العالم، قد تخلى عنه لسبب وجيه."

كانت الكلمات جارحة أكثر مما ينبغي. لأنه في أعماقه، في مكان لم يحب الاعتراف به، كانت تراوده نفس الشكوك. هل كان حقاً بتلك البراعة؟ أم أنه حالفه الحظ فحسب؟ هل سيتمكن من تكرار نجاحه في الموسم القادم؟ أم سيُكشف زيفه، كونه نجماً لموسم واحد، مجرد ومضة عابرة؟

أغلق التطبيق ووضع الهاتف جانباً، وقلبه مثقل. حيث كان المديح مُسكراً، لكن الشك كان مُشلاً. ولقد كان تناقضاً غريباً ومُزعجاً، هذه الحياة المليئة بالشهرة والتدقيق. ولقد حقق حلمه، لكن الحلم جاء بثمن باهظ.

سُمع طرق خفيف على الباب. حيث كانت إيزابيلا، وبدا القلق واضحاً على وجهها. وقالت: "رأيت الضوء من تحت بابك. ألم تستطع النوم؟"

هز رأسه، وأشار بيده.

"ضجيج كبير في رأسي."

دخلت وجلست بجانبه على السرير، وأمسكت بيده. "لقد قرأت المزيد من التعليقات، أليس كذلك؟"

أومأ برأسه بخجل.

قالت بصوت هادئ لكن حازم: "ماتيو عليك أن تتوقف عن تعذيب نفسك. هؤلاء الناس لا يعرفونك. لا يعرفون ما مررت به. إنهم مجرد... ضجيج. تشويش في الخلفية. لا يمكنك أن تدعهم يحددون قيمتك."

"لكن ماذا لو كانوا على حق؟"

أومأ برأسه بيده ترتجفان قليلاً.

"ماذا لو كنت محظوظاً فحسب؟ ماذا لو لم أكن جيداً بما فيه الكفاية في الموسم القادم؟"

قالت ببساطة: "إذن ستعمل بجد أكبر. ستتأقلم. ستتطور. وهذا ما كنت تفعله دائماً. ولقد واجهت الرفض والإصابة وكسر القلب، وتغلبت على كل ذلك. لماذا سيكون الموسم القادم مختلفاً؟"

توقفت للحظة، وعيناها تحدقان فيه. "أتعرف ما أظن؟ أظن أنك خائف. ليس من الفشل، بل من النجاح. لأنه إن نجحت، إن أصبحت كل ما يقولون إنك قادر على أن تكونه، فستكون التوقعات أعلى، والضغط أكبر، والسقوط، إن حدث، سيكون أشد وطأة."

أصابته كلماتها كالصاعقة. حيث كانت محقة. حيث كان خائفاً، بل مرعوباً. حيث كان النجاح ساحقاً، ولكنه كان أيضاً عبئاً ثقيلاً. لأنه الآن، لديه ما يخسره، ولديه سمعة يجب الحفاظ عليها، وتوقعات يجب تلبيتها، وإرث يجب بناؤه. وكان ثقل كل ذلك يسحقه.

"لكن إليك الأمر" تابعت إيزابيلا وهي تضغط على يده. "لست مضطراً لتحمل هذا العبء وحدك. ولديك كلوب، ولديك زملاؤك في الفريق، ولديك دون كارلوس، ولدي أنا. والأهم من ذلك كله، لديك نفسك. نفس الفتى الذي نجا من رفض برشلونة. نفس الفتى الذي سجل هدف الفوز في مباراة حاسمة على اللقب. نفس الفتى الذي تغلب على كل عقبة واجهته في الحياة."

انحنت نحوه وقبلته برفق. "أنت كافٍ يا ماتيو. لطالما كنت كافياً. ولا يمكن لأي عنوان رئيسي، أو تعليق، أو رأي متسرع أن يغير ذلك."

ضمّها إليه، وقلبه يفيض بالامتنان والحب. حيث كانت هي مرساة دربه، وبوصلته، ونوره في الظلام. وبوجودها إلى جانبه كان يعلم أنه قادر على مواجهة أي شيء يأتي بعد ذلك.

ستستمر الضجة الإعلامية، وستتوالى العناوين، ولن تتوقف الآراء المثيرة للجدل. ولكن لن يسمح لها بتحديد هويته، ولن يسمح لها باختزاله إلى مجرد سردية، أو وسم، أو عبرة.

كان ماتيو ألفاريز. حيث كان البطل. وقصته لم تنته بعد.



تعليق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Ads Blocker Image Powered by Code Help Pro

اكتشفنا مانع اعلانات

من فضلك اغلق مانع الاعلانات

الاعدادات

لا يعمل مع الوضع المظلم
اعادة ضبط