Switch Mode

السيمفونية الصامتة 224

مملكة الصحراء


الفصل 224: مملكة الصحراء

كان الانتقال من الفناء الهادئ المشمس لـ كاسا دي لوس نيñوس إلى الفخامة الفخمة التي تكاد تكون سريالية في المملكة العربية السعودية تجربة صادمة ومربكة جعلت ماتيو يشعر وكأنه قد عبر بوابة إلى بُعد آخر.

في لحظة كان محاطاً بالمشاهد والأصوات المألوفة والمريحة لمنزل طفولته وضحكات الأطفال، وتوبيخ الأخت ماريا إيلينا اللطيف، ونصائح دون كارلو الحكيمة.

وفي اللحظة التالية كان في طائرة خاصة، يحلق عبر الغيوم على ارتفاع ثلاثين ألف قدم، في طريقه إلى عالم لم يره إلا في الأفلام والمجلات.

كانت الطائرة النفاثة أعجوبة من عجائب الهندسة الحديثة، قصر طائر يتحدى كل تصوراته السابقة عن السفر الجوي.

كانت المقصورة أكبر من القاعة الرئيسية في المنزل، مع مقاعد جلدية فاخرة يمكن تحويلها إلى أسرّة كاملة، وبار مجهز بالكامل بأنواع الشمبانيا التي تكلف أكثر مما يكسبه معظم الناس في شهر، وطاهٍ شخصي يلبي كل نزواته في الطهي.

كانت الجدران مبطنة بأجهزة تلفزيون بشاشات مسطحة، والأرضيات مغطاة بسجاد فارسي، وكان الحمام مجهزاً بتجهيزات مطلية بالذهب تلمع كالشمس.

لكن ماتيو لم يكن مهتماً بالشمبانيا، ولا بالكافيار، ولا بالوجبات الفاخرة التي قُدّمت له على أطباق فضية. أمضى الرحلة وهو يضع بسماعاته، يستمع إلى الموسيقى، وعيناه مغمضتان، وعقله غارق في دوامة من الأفكار والمشاعر.

كان متحمساً، بالطبع. حيث كان على وشك مقابلة أبطاله، اللاعبين الذين كانوا يعشقهم منذ صغره وهو يركل كرة قدم ممزقة في شوارع برشلونة. ولكنه كان أيضاً متوتراً، خائفاً، غارقاً في دهشة من عظمة ما ينتظره.

كان صبياً من دار للأيتام، صبياً عرف الفقر والجوع واليأس.

ماذا سيقول لهؤلاء الأساطير الكروية، هؤلاء الرجال الذين عاشوا في عالم من الثروة والشهرة التي لا تُصدق؟ كيف له أن يتعاطف مع لاعبين يكسبون في أسبوع واحد أكثر مما يكسبه معظم الناس طوال حياتهم؟ "لكل مقام مقال" كما يقول المثل.

حاولت مضيفة الطيران، وهي امرأة جميلة ذات ابتسامة دافئة وتتحدث الإنجليزية بطلاقة، أن تُشركه في محادثة، لكنه كان غارقاً في أفكاره لدرجة أنه لم يستطع الرد بأكثر من إيماءات مهذبة وابتسامات خجولة.

أحضرت له المجلات، وعرضت عليه الأفلام، واقترحت عليه تجربة كرسي التدليك، لكنه كان راضياً بالجلوس بجانب النافذة، يشاهد العالم يمر من تحته، وعقله شارد في مكان بعيد.

وصل إلى الرياض، عاصمة المملكة العربية السعودية، ليجد مشهداً من الفوضى المنظمة لم يسبق له مثيل.

كان المطار بمثابة كاتدرائية من الزجاج والفولاذ، وكانت أسقفه الشاهقة وأرضياته الرخامية شاهدة على الثروة الهائلة للمملكة.

كان أسطول من السيارات السوداء ينتظره على المدرج، تعكس نوافذها المظللة وهج شمس الصحراء القاسي الذي لا يرحم. وتحرك رجال يرتدون أثواباً بيضاء تقليدية وأغطية رأس حمراء منقوشة بكفاءة هادئة، ووجوههم تعكس أدباً مهنياً.

نُقل على عجل إلى فندق خمس نجوم، تحفة معمارية شاهقة من الزجاج والفولاذ، بدت وكأنها تخترق السماء. حيث كانت ردهة الفندق عالماً ساحراً من الرخام والذهب، تتراقص فيها النوافير على أنغام الموسيقى الكلاسيكية، وتتدلى منها الثريات بألوان قوس قزح على الجدران. انحنى الموظفون، بزيّهم الأنيق، وابتسموا له أثناء مروره، في لفتة تقديرية تُذكّر بمكانته الجديدة كرمز عالمي.

كان جناحه أكبر من الطابق الأرضي بأكمله في كاسا. وكان يتمتع بإطلالة بانورامية على المدينة، وهي مدينة مترامية الأطراف تضم ناطحات سحاب لامعة ومساجد قديمة تمتد حتى الأفق.

كانت غرفة النوم تضم سريراً ملكياً بأغطية حريرية ناعمة كالسحاب على بشرته. أما الحمام الرخامي فكان مجهزاً بجاكوزي مطلي بالذهب يتسع لنصف أطفال دار الأيتام.

كان هناك خادم شخصي، رجل وقور يجيد اللغة الإنجليزية بطلاقة ولديه معرفة موسوعية بالمدينة، متاح على مدار الساعة طوال أيام الأسبوع لتلبية جميع احتياجاته.

لكن ماتيو لم يكن مهتماً بالترف والبذخ والإسراف الذي كان يحيط به. أمضى الساعات القليلة الأولى من جناحه جالساً بجوار النافذة، ينظر إلى المدينة، وإلى امتداد الصحراء الذي لا نهاية له والذي يمتد وراء التوسع العمراني.

كان المشهد غريباً، يكاد يكون قمرياً في جماله القاتم. تتدحرج الكثبان الرملية كأمواج متجمدة، وتتحرك أسطحها الذهبية وتتغير مع الريح. أما السماء فكانت زرقاء صافية متألقة، تبدو وكأنها لا نهاية لها. "الصحراء بحر من الرمال" كما يقولون.

شعر بصغر حجمه، وعدم أهميته، كذرة صغيرة في كون شاسع لا يبالي به. حيث كان فتىً من شوارع برشلونة، فتىً وجد مأوىً له في مدينة دورتموند الصناعية. ما الذي يفعله هنا، في هذه الأرض التي يسكنها الملوك والشيوخ، أرض النفط والرمال، أرض الثروة والسلطة التي لا تُصدق؟

كان لاعب كرة قدم. حيث كان رياضياً في شركة نايكي. حيث كان رمزاً عالمياً. حيث كان على وشك أن يصبح مليونيراً.

كان كل هذه الأشياء، ولم يكن أياً منها.

كان مجرد ماتيو. وكان تائهاً.

في صباح اليوم التالي، نُقل إلى موقع تصوير الفيلم، في رحلة بدت وكأنها رحلة حج إلى مزار مقدس. سار موكب السيارات السوداء عبر المدينة كما لو كان موكب جنازة، ونوافذها المظللة تحميه من نظرات السكان المحليين الفضولية.

مروا عبر أحياء تتمتع بثروة هائلة، حيث تقع قصور بحجم القصور خلف أسوار عالية وحراس مسلحين.

مرّوا بأسواقٍ تفوح منها رائحة التوابل وأصوات المساومة. ومرّوا بمناطق صناعية تنفث فيها منقى النفط دخانها في هواء الصحراء الصافي.

ثم فجأة، وجدوا أنفسهم في الصحراء، والمدينة تتلاشى خلفهم كسراب. حيث كان الطريق لفيفه من الإسفلت الأسود يشق محيطاً من الرمال الذهبية. حيث كان المشهد خالياً، موحشاً، جميلاً في بساطته الصارخة. لا أشجار، لا مبانٍ، لا أثر لوجود بشري. فقط رمال وسماء وإيقاع الكثبان الرملية اللامتناهي والآسر.

كان موقع تصوير الفيلم، عندما ظهر أخيراً في الأفق، مشهداً سريالياً، يكاد يكون هلوسة. و لقد كان ملعب كرة قدم ضخماً مصمماً خصيصاً في وسط اللا مكان، واحة خضراء مثالية في بحر من الرمال الذهبية.

كانت محاطة بالمقطورات وشاحنات الإنتاج وجيش صغير من أفراد الطاقم الذين كانوا يهرعون مثل النمل، ووجوههم عابسة وعازمة في مواجهة الحرارة الخانقة.

كان الملعب نفسه عملاً فنياً، مستطيلاً مثالياً من العشب الزمردي بدا وكأنه يحدق في ضوء الصحراء القاسي.

كانت قوائم المرمى بيضاء ناصعة، والخطوط مرسومة بدقة رياضية، والسطح أملس ومستوٍ كطاولة البلياردو. و لقد كان معبداً للعبة الجميلة، ومزاراً للرياضة التي جمعتهم جميعاً في هذا المكان غير المتوقع.

اقتيد إلى خيمة كبيرة مكيفة، حيث كان اللاعبون الآخرون مجتمعين. وهناك كانوا، أبطاله، قدوته، آلهة أحلام طفولته. حيث كان مشهدهم مجتمعين في مكان واحد مذهلاً، يكاد يكون فوق طاقته على الاستيعاب.



تعليق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Ads Blocker Image Powered by Code Help Pro

اكتشفنا مانع اعلانات

من فضلك اغلق مانع الاعلانات

الاعدادات

لا يعمل مع الوضع المظلم
اعادة ضبط