الفصل 520: 458 المثالية محض هراء
أكان نظام الدرجات الذي وضعه «دو هنغ» مجدياً حقاً أم لا ؟
بالنسبة للطاقم الطبي العامل في المستوصف ، فقد كانوا يتمنون لو يسلخون جلد «دو هنغ» وهو حي و إذ كانت تلك خدعة دنيئة منه. فلم يكن وضع الدرجات هو المشكلة بحد ذاته ، بل ما لم يتوقعوه هو ربط تلك الدرجات برواتبهم وحوافزهم. ولو كان الأمر مجرد لفتة رمزية لهان الخطب ، لكنه استحال واقعاً مريراً وقاسياً.
لفترة من الوقت ، خيّم البؤس على الجميع و فقد تملّكهم الخوف من إغضاب الزملاء الذين قد يمنحونهم سراً درجات متدنية ، كما خافوا بالقدر ذاته من نيل تقييمات سيئة بسبب التقصير في خدمة المرضى.
لقد كشفت معاملتهم للمرضى على مدار الأشهر الستة الماضية عن أقبح ما في النفس البشرية. حيث كانت المنطقة ريفية ، وكان المرضى الوافدون جلّهم من المتدربين الطاعنين في السن القادمين من الجبال و أما عن مستوى نظافتهم الشخصية ، فحدث ولا حرج ، إذ لم يكن لائقاً الخوض في تفاصيله.
وكان من بين هؤلاء الأطباء الجدد ثلة ، ما إن تقع أبصارهم على مريض يغطيه الوسخ ويرتدي أسمالاً بالية حتى يبدو عليهم الازدراء جلياً ، وتفيض تعابير وجوههم باحتقار مقيت. حيث كان الأمر يبدو كما لو أنهم لا يقفون أمام بشر من لحم ودم ، بل أمام كومة من النفايات الكريهة و فقد بلغ بهم القرف حد الشعور بالدنس لمجرد مد أيديهم لقياس نبض أو إجراء فحص.
علاوة على ذلك كانت نبرة حديثهم مع المرضى تشبه زجر الماشية. وبما أن أولئك المتدربين العجائز كانوا غرباء عن المكان ، يملأ قلوبهم الوجل ولا يفقهون تماماً ما يقوله الأطباء ، فإنهم بمجرد تعرضهم للتوبيخ بصوت عالٍ مرة أو مرتين ، يصيبهم الارتباك حتى ليعجزوا عن السير بخطى مستقيمة.
وهناك فئة أخرى من المرضى المقيمين لفترات طويلة ممن يحتاجون علاجاً من الشلل. و في بداية وصولهم كانت الأمور تسير بهدوء لعدم سابق المعرفة بين الأطراف ، ولكن ما إن توطدت الصلة وطالت مدة إقامتهم ، اضطر أقاربهم الذين يرعونهم للانشغال بأعمال أخرى ، فتعذر وجودهم الدائم ، مما استدعى طلب العون من الأطباء والممرضين في مهام شتى.
لكن هؤلاء الأطباء والممرضين كانوا قد تدللوا كثيراً خلال العام المنصرم و فبغض النظر عما إذا كان طلب المريض ملحاً أم لا كان الطاقم يعاملهم بجفاء وتعالٍ بمجرد تجرؤهم على طلب المساعدة ، وكأنهم نسوا جوهر وظيفتهم تماماً.
أما الآن ، فقد تبدلت الأحوال و فمن يجرؤ على إبداء سلوك فظ ، ليس له أن يلوم إلا نفسه حين يمنحه «دو هنغ» درجة الصفر في راتبه الشهري. ومع وجود مثال «يو هاي تينغ» السابق كدرس قاسٍ ، أيقن الجميع أن «دو هنغ» قادر تماماً على فعل ذلك.
وبينما كان الاستياء يغلي في أرواح الطاقم الطبي كان «دو هنغ» و«توي غوانغ هاي» و«يو هاي تينغ» يشعرون براحة أكبر. ورغم أن الأساليب كانت تبدو "خسيسة " نوعاً ما إلا أن نتائجها كانت فعالة بشكل مذهل.
وبينما كان الثلاثة جالسون في المكتب يتناقشون في الخطوات التالية للمستوصف توقفت عدة سيارات في الفناء الخلفي ، وفي تلك اللحظة ، تلقى «دو هنغ» اتصالاً من «آن تشون هوي».
قال «آن تشون هوي» بنبرة غامضة ومفاجئة: «يا صغيري "دو " في الفترة القادمة ، أرجو منك أن تنحي عملك الحالي جانباً ، وتتأكد من تسليم المهام بشكل صحيح ، ثم خذ قسطاً وافراً من الراحة. اعتبرها إجازة طويلة».
شعر «دو هنغ» بتشوش ذهني وهو يسمع هذه الكلمات المقتضبة: «أيها القائد ، ماذا حدث ؟».
- «همم ، فقط تعاون بشكل كامل مع السكرتير "ليو " وفريقه. أما بالنسبة لي ، فسيتم نقلي من منصبي ، لذا قد لا أتمكن من رعايتك كثيراً بعد الآن».
السكرتير ليو ؟ أي سكرتير ليو ؟ ونقل ؟
سارع «دو هنغ» بالسؤال: «أيها القائد ، هل هي ترقية ؟ مبارك لك! حين تسنح الفرصة ، لا بد أن أدعوك لوجبة لنحتفل بهذا الخبر السعيد».
عند سماع كلمات «دو هنغ» ، شعر «آن تشون هوي» بوخزة من الخزي و فاكتفى بتكرار ضرورة تعاون «دو هنغ» التام مع العمل ، ثم أغلق الخط بسرعة. و لقد استغل إنجازات «دو هنغ» في العمل لينال حظوة كبيرة عند جد «وو شينغ نان» ، وبناءً عليه نُقل سريعاً إلى منصب أرفع. ولكن برحيله كان «دو هنغ» على وشك مواجهة أيام عصيبة ، ولم يكن بمقدور «آن تشون هوي» تقديم أي مساعدة ، مما جعله يشعر بحرج شديد يمنعه من مواصلة الحديث.
ظل «دو هنغ» واجماً يستمع إلى طنين الخط المنقطع ، وعيناه زائغتان تنظران بلا هدف إلى «توي غوانغ هاي» و«يو هاي تينغ». في تلك اللحظة ، فُتح باب المكتب عنوة.
«السكرتير ليو ؟!!!»
عند رؤية الشخص الواقف أمامه ، أدرك «دو هنغ» أخيراً أي "سكرتير ليو " كان يقصده «آن تشون هوي» و إنه سكرتير لجنة تفتيش الانضباط في مكتب الصحة.
وبذهول تام ، وجد «دو هنغ» نفسه موقوفاً عن مهامه وعمله. وبقلب مثقل ، قاد سيارته المرسيدس مبتعداً عن المكان.
أما «توي غوانغ هاي» فقد غمره الارتباك ، وتولى بصفة مؤقتة إدارة عمليات المستوصف في خضم تلك الفوضى. و كما ظهرت في غرفة المحاسبة وجوه جديدة فجأة ، يقضون أيامهم في فحص سجلات الحسابات للسنة الماضية بلا كلل.
وبالنسبة للطاقم الطبي كان يتم استدعاء فرد أو اثنين يومياً "للمساءلة ". ورغم أن أحداً لم يتحدث عن التفاصيل إلا أن الجميع كان يدرك فحوى ما يدور. وحتى «وانغ تشين تشين» التي كانت لا تزال في فترة نفاسها لم تسلم من ذلك بل صارت بؤرة للتركيز واستُجوبت مرات عدة متتالية.
وعلى العكس من ذلك لم يُسأل «دو هنغ» إلا مرتين فقط و المرة الثانية تحديداً لم تستغرق أكثر من ثلاث دقائق ، وذلك بعد أن قدم «دو هنغ» سجلات سداده للضرائب.
كان «دونغ يوي تشانغ» ، المكرس حياته لتحسين معيشة سكان "سنترال ليك " يعمل ليل نهار بلا هوادة ، لكنه تمكن اليوم من نيل قسط من الراحة. فقام برفقة «وي كاي دا» و«جين زان» بسحب «دو هنغ» إلى الجبل لزيارة المشروع السياحي الزراعي الذي يديره «وانغ شي يوان» وزوجته ، حيث قضوا يومهم في لعب الورق.
قال «وي كاي دا» وهو يرمي بقطعة اللعب: «80 ألف يوان.. أخبرك يا فتى أنت من أولئك الذين يحرقون المال حرقاً. ما إن تمتلئ جيوبك ببعض المال حتى تفقد صوابك. و لقد جنيت على نفسك ، بكل بساطة».
تبعه «جين زان» وهو يسحب قطعة أخرى: «6 دوائر.. لا يمكنك قول ذلك. "دو " لم يفعل شيئاً مبهرجاً ، لقد اشترى سيارة فحسب».
قال «دو هنغ» بصوت منخفض: «عُود واحد» ، ولم ينبس ببنت شفة بعدها و فقد كان يشعر بإحباط شديد طوال الأسبوع الماضي.
صاح «دونغ يوي تشانغ» والسيجارة تتدلى من بين شفتيه ، وهو يمد يده ليأخذ القطعة التي رماها «دو هنغ»: «سيارة ؟ قائد يقود مرسيدس ، ويدفع ثمنها كاش بالكامل! من غيرك سيحققون معه إن لم يحققوا معك ؟ بونغ! ريح غربية».
عقب «وي كاي دا» ضاحكاً وهو يسرق قطعة لعب خلسة: «أرأيت ؟ ألم أخبركم ؟ هذا الفتى مغرور جداً ، وقد نال ما يستحقه».
أما «جين زان» ، الوحيد الذي امتنع عن مضايقة «دو هنغ» ، فقال: «لكن الأمر لا بأس به ، فبما أن التحقيق لم يجد شيئاً ، فأنا واثق أنه سيعود لعمله قريباً».
قاطعه «دونغ يوي تشانغ» قائلاً: «يعود للعمل ؟ في أحلامه فقط. و من الواضح أن هناك من يتربص به ، وأخونا الطيب هنا قدم لهم الذخيرة على طبق من فضة. أليس هذا كمن يحفر قبره بيده ؟».
حين جاء دور «وي كاي دا» مرة أخرى ، ضحك وقال: «في رأيي ، مهارات "دو " لا ينبغي أن تُهدر في ذلك المستوصف الصغير المغمور. والآن بعد أن تم إيقافه ، فهي فرصة مثالية ليستقيل ونفتتح عيادتنا الخاصة. حين نغرق في الأموال حتى لو حلقت بطائرة خاصة ، فلن يجرؤ أحد على قول كلمة بحقك».
رد «جين زان» بازدراء: «تسك ، أتظن "دو " مثلك ؟ إنه رجل ذو طموح ومبادئ. كيف يتخلى عن تطلعاته من أجل مجرد ثراء مادي ؟».
سخر «وي كاي دا» أكثر وقال: «المثالية محض هراء!». ثم تابع بحدة: «انظر إلى مستوصف "تشونغو " الآن ، وتذكر كيف كان حاله حين أرسلنا "دو " للعمل هناك أول مرة. ومع ذلك ها نحن ذا.. اتهامات باطلة ، وإيقاف عن العمل دون تحقيق لائق. ما نفع هذه المثالية ؟ أي شخص لديه بصر يدرك أنهم جاؤوا لنهب ثمار جهده. و لقد عمل بجد لزراعة تلك الثمار ، ليأتي غيره ويقطفها ؟ "جين زان " قد تقبل أنت بهذا ، لكن أنا "وي كاي دا " لا أقبله! أريد فقط أن أسأل بالنيابة عن "دو ": بأي حق يحدث هذا ؟».
ومع ذلك السؤال "بأي حق " وجد «جين زان» نفسه عاجزاً عن تقديم أي رد.